السيد محمد باقر الصدر

242

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

ب - تحرير القرآن للعقول : كانت الأساطير والخرافات شائعة بين العرب ، نظراً لانخفاض مستواهم الفكري وأميتهم بصورة عامة ، فكانوا يعتقدون - مثلًا - أنّ نفس الانسان طائر ينبسط في جسم الانسان ، فإذا ما مات أو قتل يكبر هذا الطائر حتى يصير في حجم البوم ، ويبقى ابداً يصرخ ويتوحش ويسكن في الديار المعطلة والمقابر ويسمّونه الهام . كما كانوا يعتقدون بالغيلان ويؤمنون بأساطيرها ، ويزعمون أنّ الغول يتغول لهم في الخلوات ، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور ، فيخاطبونها وربما ضيفوها ، وكانت لهم أبيات من الرجز يتناقلون حفظها ، ويعتقدون أنّ فائدتها هي طرد الغيلان إذا اعترضتهم في طريقهم وأسفارهم ، إلى غير ذلك من العقائد الخرافية التي كانوا يؤمنون بها . وقد جاء القرآن الكريم برسالة الاسلام ، فحارب تلك العقائد والخرافات ، ومحا تلك الأوهام عن طريق تنوير عقول العرب والدعوة إلى التفكير الأصيل ، والتدبر والاعتماد على العقل ، والمطالبة برفض التقليد ، وعدم الجمود على تراث السلف ، بدون تمحيص أو تحقيق ؛ قال اللَّه تعالى : « وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » « 1 » . وقد أدت هذه الدعوة من القرآن إلى تعريض كل الافكار السابقة والموروثة إلى الامتحان من جديد على ضوء المنطق ، والعقل ، وعلى هدى الاسلام ، فأسفر ذلك عن اضمحلال تلك الخرافات ، وزوال تلك العقائد الجاهلية ، وتحرر العقول من قيودها ، وانطلاقها في طريق التفكير السليم .

--> ( 1 ) البقرة : 170