السيد محمد باقر الصدر
229
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
فهذه قضايا وقعت في عصر الوحي ، وكانت داعية إلى نزول الوحي بشأنها ، فكانت لأجل ذلك من أسباب النزول . ويلاحظ في ضوء ما قدّمناه من تعريف لأسباب النزول أنّ احداث الأمم الماضية التي يستعرضها القرآن الكريم ليست من أسباب النزول ، لأنّها قضايا تأريخية سابقة على عصر الوحي ولا اموراً وقعت في عصر الوحي واقتضت نزول القرآن بشأنها ، فلا يمكن ان نعتبر حياة يوسف وتآمر اخوته عليه ونجاته وتمكنه منهم سبباً لنزول سورة يوسف ، وهكذا سائر المقاطع القرآنية التي تتحدث عن الأنبياء الماضين وأممهم فإنها في الغالب تندرج في القسم الأول من القرآن الذي نزل بصورة ابتدائية ولم يرتبط بأسباب نزول معينة . الفائدة في معرفة السبب : ولمعرفة أسباب النزول أثر كبير في فهم الآية والتعرّف على اسرار التعبير فيها ، لأنّ النص القرآني المرتبط بسبب معين للنزول تجيء صياغته وطريقة التعبير فيه وفقاً لما يقتضيه ذلك السبب ، فما لم يعرف ويحدد قد تبقى أسرار الصياغة والتعبير غامضة ، ومثال ذلك قوله تعالى : « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . . . » « 1 » فإنّ الآية ركزت على نفي الاثم والحرمة عن السعي بين الصفا والمروة دون أن تصرح بوجوب ذلك ، فلماذا اكتفت بنفي الحرمة دون أن تعلن وجوب السعي ؟ إنّ الجواب على هذا السؤال يمكن معرفته عن طريق ما ورد في سبب نزول الآية من أنّ بعض الصحابة تأثموا من السعي بين الصفا والمروة ، لأنه من عمل
--> ( 1 ) البقرة : 158