السيد محمد باقر الصدر
193
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
العظيم استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه من أن يرى شيئاً آخر غير اللَّه ، حتى حينما كان يرى الناس ، كان يرى فيهم عبيد اللَّه ، حتى حينما كان يرى النعمة الموفورة ، كان يرى فيها نعمة اللَّه سبحانه وتعالى . دائماً هذا المعنى الحرفي ، هذا الربط باللَّه ، دائماً وأبداً يتجسّد أمام عينه ؛ لأنّ محبوبه الأوحد ، ومعشوقه الأكمل ، قبلة آماله وطموحاته ، لم يسمح له بشريك في النظر ، فلم يكن يرى إلّااللَّه سبحانه وتعالى . هذه هي الدرجة الثانية . نفس التقسيم الثنائي يأتي في حبّ الدنيا ، الذي هو رأس كل خطيئة على حدّ تعبير رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « 1 » . حبّ الدنيا يتخذ درجتين : الدرجة الأولى أن يكون حبّ الدنيا محوراً للإنسان ، قاعدة للإنسان في تصرفاته وسلوكه . يتحرّك حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتحرك ، ويسكن حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يسكن . يتعبّد حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتعبد ، وهكذا . الدنيا تكون هي القاعدة ، لكن أحياناً أيضاً يمكن أن يفلت من الدنيا . يشتغل أشغالًا أخرى نظيفة طاهرة . قد يصلي للَّه سبحانه وتعالى ، قد يصوم للَّهسبحانه وتعالى ، لكن سرعان ما يرجع مرة أخرى إلى ذلك المحور وينشدّ إليه . فلتات يخرج بها من إطار ذلك الشيطان ثم يرجع إلى الشيطان مرة أخرى . هذه درجه أولى من هذا المرض الوبيل ، مرض حبّ الدنيا . وأمّا الدرجة الثانية من هذا المرض الوبيل فهي الدرجة المهلكة ، حينما يعمي حبّ الدنيا هذا الإنسان ، يسدّ عليه كل منافذ الرؤية ، يكون بالنسبة إلى الدنيا كما كان سيد الموحدين وأمير المؤمنين بالنسبة إلى اللَّه سبحانه وتعالى : إنّه
--> ( 1 ) بحار الأنوار 51 : 258