السيد محمد باقر الصدر

129

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

انهيار الامّة وافول المثل الأعلى المنحفض : ومن هنا إذا تقدّمنا خطوة في تحليل ومراقبة ومشاهدة أوضاع هذه الامّة التي تتمسّك بمثل من هذا القبيل ، إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام نجد أنّ هذه الامّة بالتدريج سوف تفقد ولاءها لهذا المثل أيضاً ، لن تظل متمسّكة بهذا المثل ؛ لأنّ هذا المثل بعد أن يفقد فاعليته وقدرته على العطاء ، بعد أن يصبح نسخة من الواقع ، بعد أن يصبح أمراً مفروضاً ومحسوساً وملموساً ، بعد أن يصبح غير قادر على تطوير البشرية وتصعيدها في مسارها الطويل ، تفقد هذه البشرية ، هذه الجماعة ، تفقد بالتدريج ولاءها لهذا المثل . ومعنى أنّها تفقد ولاءها لهذا المثل يعني : أنّ القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الامّة سوف تتمزّق ، سوف تتمزّق وحدتها ؛ لأنّ وحدة هذه القاعدة إنّما هي بالمثل الواحد فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة . هذه الامّة بعد أن تفقد ولاءها لهذا المثل تصاب بالتشتت ، بالتمزّق ، بالتبعثر ، تكون كما وصف القرآن الكريم : « بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ » « 1 » . بأسهم بينهم شديد باعتبار أنّ التناقضات تبدأ في داخل هذه الامّة ، هذه الامّة التي لا يجمعها شيء إلّاتماثل الوجوه وتقارب الوجوه لا يجمعها مثل أعلى ، لا تجمعها طريقة مُثلى ، لا يجمعها سبيل واحد ، قلوب متفرقة ، أهواء متشتتة ، أرواح متبعثرة ، عقول مجمّدة ، في حالة من هذا القبيل لا تبقى امّة وإنّما يبقى شبح امّة فقط . وفي ظلّ هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد في هذه الامّة ، ينصرف إلى همومه الصغيرة ، إلى قضاياه المحدودة ، بعده لا يوجد هناك مثل أعلى تلتف حوله

--> ( 1 ) الحشر : 14