السيد محمد باقر الصدر

52

ومضات ( تراث الشهيد الصدر ج 17 )

فالإنسان حين يمارس التجارب الحياتيّة أو العلميّة ويحاول تفسيرها ، ليس أعزل - على الرأي الأوّل - بل هو مسلّح بتلك المعارف القبليّة التي تكوّن الرصيد الأساسي للمعرفة ، وتقوم بدور المصباح الذي ينير للتجربة طريقها ، ويوحي للإنسان بتفسير ما يمارسه من تجارب . وأمّا على الرأي الثاني ، فالإنسان أعزل تماماً ، لا يملك شيئاً سوى بصيص النور الذي يجده في تجاربه ، فلا بدّ أن يفسّر تجربته على أساس هذا النور دون أن يستمدّ في موقفه ضوءاً من أيّ معرفة قبليّة . وقد قام المنطق العقلي على أساس الرأي الأوّل ، وقام المنطق التجريبي الحديث على أساس الرأي الثاني . [ المنطق التجريبي ورفض اليقين : ] وكان من نتيجة تجريبيّة المنطق الحديث وإنكاره أيّ أساس عقلي مسبق ، اتّجاهه إلى رفض اليقين والقول بأنّ المعارف البشريّة العامّة لا تبلغ درجة اليقين ، مهما توفّرت الدلائل عليها وأيّدت التجارب صحّتها . خذ مثلًا معرفتنا بأنّ الماء يغلي إذا أصبح حارّاً بدرجة معيّنة ، فإنّ هذه المعرفة ليس لها مصدر إلّاالتجربة ، ومن الطبيعي أنّ التجربة لا يمكن أن تشمل كلّ المياه وفي جميع الحالات ، لأنّ العدد الذي يمارس الإنسان اختباره من أفراد الماء محدود على أيّ حال ، مهما امتدّت التجربة أو اتّسعت . فالقاعدة العامّة إذن ( وهي : أنّ الماء يغلي عند درجة معيّنة من الحرارة ) لا يمكن استنتاجها بجميع أفرادها من التجربة استنتاجاً مباشراً ، وإنّما هي في الحقيقة تعميم لمدلولات التجربة . ففي المرحلة الأولى نثبت بالتجربة أنّ هذا الماء غلى بالحرارة ، وذاك الماء غلى أيضاً بالحرارة ، وعدّة مياه أخرى سجّلت نفس النتيجة في التجربة . .