السيد محمد باقر الصدر

60

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة الجزء الأول والثاني ( تراث الشهيد الصدر ج 7 )

وأمّا البراءة الشرعية فإطلاق دليلها شامل لموارد احتمال الحجّية أيضاً ؛ لأنّ موضوعها عدم العلم بالتكليف الواقعي ، وهو ثابت مع احتمال الحجّية أيضاً ، بل حتى مع قيام الدليل على الحجِّية . غير أنّه في هذه الحالة يقدَّم دليل حجِّية الخبر على دليل البراءة ؛ لأنّه أقوى منه وحاكم عليه مثلًا ، وأمّا مع عدم ثبوت الدليل الأقوى فيؤخذ بدليل البراءة ، وكذلك الكلام في الاستصحاب . وأمّا الدليل الاجتهادي المفترض دلالته بالإطلاق على عدم الوجوب فهو حجَّة مع احتمال حجِّية الخبر المخصِّص أيضاً ؛ لأنّ مجرّد احتمال التخصيص لا يكفي لرفع اليد عن الإطلاق . ونستخلص من ذلك : أنّ الموقف العملي لا يتغيّر باحتمال الحجّية ، وهذا يعني أنّ احتمالها يساوي عملياً القطع بعدمها . ونضيف إلى ذلك : أنّ بالإمكان إقامة الدليل على عدم حجّية ما يشكّ في حجِّيته ، بناءً على تصوّرنا المتقدِّم للأحكام الظاهرية ، حيث مرّ بنا « 1 » أنّه يقتضي التنافي بينها بوجوداتها الواقعية ، وهذا يعني أنّ البراءة عن التكليف المشكوك وحجّية الخبر الدالّ على ثبوته حكمان ظاهريان متنافيان ، فالدليل الدالّ على البراءة دالّ بالدلالة الالتزامية على نفي الحجِّية المذكورة ، فيؤخذ بذلك ما لم يقم دليل أقوى على الحجّية . وقد يقام الدليل على عدم حجّية ما يشكّ في حجِّيته من الأمارات بما اشتمل من الكتاب الكريم على النهي عن العمل بالظنّ وغير العلم ، فإنّ كلّ ظنٍّ يشكّ في حجِّيته يشمله إطلاق هذا النهي .

--> ( 1 ) تحت عنوان : التنافي بين الأحكام الظاهريّة .