السيد محمد باقر الصدر
219
دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )
التصديقيّتان الأولى والثانية فمنشؤهما الظهور الحاليّ والسياقيّ للكلام ، لا الوضع . الوضع التعيينيّ والتعيّني : وقد قسّم الوضع من ناحية سببه إلى تعيينيٍّ وتعيّني : فقيل « 1 » : إنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى إن نشأت من جعلٍ خاصٍّ فالوضع تعيينيّ ، وإن نشأت من كثرة الاستعمال بدرجةٍ توجب الألفة الكاملة بين اللفظ والمعنى فالوضع تعيّني . ويلاحظ على هذا التقسيم : بأنّ الوضع إذا كان هو الاعتبار أو التعهّد فلا يمكن أن ينشأ عن كثرة الاستعمال مباشرةً ؛ لوضوح أنّ الاستعمال المتكرّر لا يولِّد بمجرّده اعتباراً ولا تعهّداً ، فلا بدّ من افتراض أنّ كثرة الاستعمال تكشف عن تكوّن هذا الاعتبار أو التعهّد ، فالفرق بين الوضعين في نوعيّة الكاشف عن الوضع . وهذه الملاحظة لا ترد على ما ذكرناه في حقيقة الوضع من أنّه « القرن الأكيد » بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى ، فإنّ حالة القرن الأكيد تحصل بكثرة الاستعمال أيضاً ؛ لأنّها تؤدّي إلى تكرّر الاقتران بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى ، فيكون القرن بينهما أكيداً بهذا التكرّر إلى أن يبلغ إلى درجةٍ تجعل أحد التصوّرين صالحاً لتوليد التصوّر الآخر ، فيتمّ بذلك الوضع التعيّني . توقّف الوضع على تصوّر المعنى : ويشترط في كلّ وضعٍ يباشره الواضع : أن يتصوّر الواضع المعنى الذي يريد أن يضع اللفظ له ؛ لأنّ الوضع بمثابة الحكم على المعنى واللفظ ، وكلّ حاكمٍ لا بُدّ له من
--> ( 1 ) انظر كفاية الأصول : 24