السيد محمد باقر الصدر
216
دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )
وإذا ضَمَّ المتلفّظ الملتفت كلمةً أخرى فقال : « الماء بارد » استكشفنا أنّه يريد أن يخطر في ذهننا معنى الماء ، ومعنى بارد ، ومعنى جملة « الماء بارد » ككلّ . ولكن لماذا يريد أن نتصوّر ذلك كلّه ؟ والجواب : أنّ تلفّظه بهذه الجملة يدلّ عادةً على أنّ المتكلّم يريد بذلك أن يخبرنا ببرودة الماء ويقصد الحكاية عن ذلك ، بينما في بعض الحالات لا يكون قاصداً ذلك ، كما في حالات الهزل ، فإنّ الهازل لا يقصد إلّاإخطار صورة المعنى في ذهن السامع فقط ، على خلاف المتكلّم الجادّ . فالمتكلّم الجادّ حينما يقول : « الماء بارد » يكتسب كلامه ثلاث دلالات ، وهي : الدلالة التصوّريّة المتقدّمة ، والدلالة التصديقيّة المتقدّمة ، ( ولنسمِّها بالدلالة التصديقيّة الأولى ) ، ودلالة ثالثة هي الدلالة على قصد الحكاية والإخبار عن برودة الماء ، وتسمّى بالدلالة على المراد الجدّي ، كما تسمّى بالدلالة التصديقية الثانية . وأمّا الهازل حين يقول : « الماء بارد » فلكلامه دلالة تصوريّة ودلالة تصديقيّة أولى دون الدلالة التصديقيّة الثانية ؛ لأنّه ليس جادّاً ولا يريد الإخبار حقيقة . وأمّا الآلة حين تردّد الجملة ذاتها فليس لها إلّادلالة تصوّريّة فقط . وهكذا أمكن التمييز بين ثلاثة أقسامٍ من الدلالة . الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدّمة : والدلالة التصوريّة هي في حقيقتها علاقة سببيّة بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى ، ولمّا كانت السببيّة بين شيئين لا تحصل بدون مبرِّرٍ اتّجه البحث إلى تبريرها ، ومن هنا نشأت عدّة احتمالات : الأوّل : احتمال السببيّة الذاتيّة بأن يكون اللفظ بذاته دالّاً على المعنى وسبباً لإحضار صورته ، ولا شكّ في سقوط هذا الاحتمال ؛ لما هو معروف بالخبرة