السيد محمد باقر الصدر
99
دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )
وكما أنّ الصياد حين يرسل الكلب إلى فريسته قد يكون إرساله هذا ناتجاً عن شوقٍ شديدٍ إلى الحصول على تلك الفريسة ورغبةٍ أكيدةٍ في ذلك ، وقد يكون ناتجاً عن رغبةٍ غير أكيدةٍ وشوقٍ غير شديدٍ ، كذلك النسبة الإرسالية التي تدلّ عليها الصيغة في فعل الأمر قد نتصوّرها ناتجةً عن شوقٍ شديدٍ وإلزامٍ أكيد ، وقد نتصوّرها ناتجةً عن شوقٍ أضعف ورغبةٍ أقلّ درجة . وعلى هذا الضوء نستطيع الآن أن نفهم معنى ذلك القول الاصوليّ القائل : إنّ صيغة فعل الأمر تدلّ على الوجوب ، فإنّ معناه : أنّ الصيغة قد وضعت للنسبة الإرسالية بوصفها ناتجةً عن شوقٍ شديدٍ وإلزامٍ أكيد ، ولهذا يدخل معنى الإلزام والوجوب ضمن الصورة التي نتصوّر بها المعنى اللغويّ للصيغة عند سماعها دون أن يصبح فعل الأمر مرادفاً لكلمة الوجوب . وليس معنى دخول الإلزام والوجوب في معنى الصيغة أنّ صيغة الأمر لا يجوز استعمالها في مجال المستحبّات ، بل قد استعملت كثيراً في موارد الاستحباب ، كما استعملت في موارد الوجوب ، ولكنّ استعمالها في موارد الوجوب استعمال حقيقي ؛ لأنّه استعمال للصيغة في المعنى الذي وضعت له ، واستعمالها في موارد الاستحباب استعمال مجازيّ يبرّره الشبه القائم بين الاستحباب والوجوب . والدليل على أنّ صيغة الأمر موضوعة للوجوب بالمعنى الذي قلنا : هو التبادر ، فإنّ المنسبق إلى ذهن العرف ذلك ، بشهادة أنّ الآمر العرفيّ إذا أمر المكلّف بصيغة الأمر ولم يأتِ المكلّف بالمأمور به معتذراً بأنّي لم أكن أعرف أنّ هذا واجب أو مستحبّ ، لا يقبل منه العذر ، ويُلامُ على تخلّفه عن الامتثال ، وليس ذلك إلّالانسباق الوجوب عرفاً من اللفظ وتبادره ، والتبادر علامة الحقيقة .