السيد محمد باقر الصدر

93

دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

متحدِّثٍ واعٍ ، أو من نائمٍ في حالة عدم وعيه ، وحتّى لو سمعناها نتيجةً لاحتكاك حجرين ، فنتصوّر معنى كلمة « الحقّ » ونتصور معنى كلمة « منتصر » ، ونتصوّر النسبة التامّة التي وضعت هيئة الجملة لها ، وتسمّى هذه الدلالة لأجل ذلك « دلالة تصورية » . ولكنَّا إذا قارنَّا بين تلك الحالات وجدنا أنّ الجملة حين تصدر من النائم ، أو تتولّد نتيجةً لاحتكاكٍ بين حجرين لا يوجد لها إلّامدلولها اللغويّ ذاك ، ويقتصر مفعولها على إيجاد تصوراتٍ للحقِّ والانتصار والنسبة التامة في ذهننا ، وأمّا حين نسمع الجملة من متحدّثٍ واعٍ فلا تقف الدلالة عند مستوى التصوّر ، بل تتعدّاه إلى مستوى التصديق ، إذ تكشف الجملة عندئذٍ عن أشياء نفسيةٍ في نفس المتكلّم ، فنحن نستدلّ عن طريق صدور الجملة منه على وجود إرادةٍ استعماليّةٍ في نفسه ، أي أنّه يريد أن يخطر المعنى اللغويّ لكلمة « الحقّ » وكلمة « المنتصر » وهيئة الجملة في أذهاننا ، وأن نتصوّر هذه المعاني . كما نعرف أيضاً أنّ المتكلّم إنّما يريد مِنَّا أن نتصوّر تلك المعاني لا لكي يخلق تصوراتٍ مجرّدةً في ذهننا فحسب ، بل لغرضٍ في نفسه ، وهذا الغرض الأساسيّ هو في المثال المتقدم - أي في جملة « الحقّ منتصر » - الإخبار عن ثبوت الخبر للمبتدأ ، فإنّ المتكلم إنّما يريد منَّا أن نتصوّر معاني الجملة لأجل أن يُخبِرنا عن ثبوتها في الواقع ، ويطلق على الغرض الأساسيّ في نفس المتكلّم اسم « الإرادة الجدّية » ، وتسمّى الدلالة على هذين الأمرين - الإرادة الاستعماليّة والإرادة الجدّية - « دلالة تصديقيّة » ؛ لأنّها دلالة تكشف عن إرادة المتكلّم وتدعو إلى تصديقنا بها ، لا إلى مجرّد التصوّر الساذج . وهكذا نعرف أنّ الجملة التامّة لها - إضافةً إلى مدلولها التصوّريّ اللغويّ - مدلولان تصديقيّان :