السيد محمد باقر الصدر
71
دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )
حجّية القطع ، ويسمّى بجانب المنجّزية . وبديهيّ أنّ حجّية القطع بهذا المعنى الذي شرحناه لا يمكن أن تستغني عنها أيّ عمليةٍ من عمليات استنباط الحكم الشرعي ؛ لأنّ الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائماً بنتيجة ، وهي العلم بالموقف العمليّ تجاه الشريعة وتحديده على أساس الدليل ، أو على أساس الأصل العملي ، ولكي تكون هذه النتيجة ذات أثرٍ لا بدّ من الاعتراف مسبقاً بحجّية القطع ، إذ لو لم يكن القطع حجّةً ولم يكن صالحاً للاحتجاج به من المولى على عبده ، ومن العبد على مولاه لكانت النتيجة التي خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغواً ؛ لأنّ علمه ليس حجّة ، ففي كلّ عملية استنباطٍ لا بدّ إذن أن يدخل عنصر حجّية القطع ؛ لكي تعطي العملية ثمارها ويخرج منها الفقيه بنتيجةٍ إيجابية . وبهذا أصبحت حجّية القطع أعمّ العناصر الأصولية المشتركة وأوسعها نطاقاً . وليست حجّية القطع عنصراً مشتركاً في عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعيّ فحسب ، بل هي في الواقع شرط اساسيّ في دراسة الاصوليِّ للعناصر المشتركة نفسها أيضاً ، فنحن حينما ندرس - مثلًا - مسألة حجّية الخبر أو حجّية الظهور العرفيّ إنّما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة ، فإذا لم يكن العلم والقطع حجّةً فأيّ جدوى في دراسة حجّية الخبر والظهور العرفي ؟ ! فالفقيه والاصوليّ يستهدفان معاً من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية ( تحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة ) أو الأصولية ( العنصر المشترك ) ، فبدون الاعتراف المسبق بحجّية العلم والقطع تصبح بحوثهما عبثاً لا طائل تحته . وحجّية القطع ثابتة بحكم العقل ، فإنّ العقل يحكم بأنّ للمولى سبحانه حقّ الطاعة على الإنسان في كلّ ما يعلمه من تكاليف المولى وأوامره ونواهيه ، فإذا علم الإنسان بحكمٍ إلزاميٍّ من المولى ( وجوبٍ أو حرمةٍ ) دخل ذلك الحكم الإلزاميّ