السيد محمد باقر الصدر
57
دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )
وفي سبيل توضيح ذلك يجب أننذكر التطوّر الذي مرّت به كلمة « الاجتهاد » ؛ لكي نتبيَّن كيف أنّ النزاع الذي وقع حول جواز عملية الاستنباط والضجّة التي أثيرت ضدّها لم يكن إلّانتيجة فهمٍ غير دقيقٍ للاصطلاح العلمي ، وغفلةٍ عن التطوّرات التي مرّت بها كلمة « الاجتهاد » في تأريخ العلم . [ تطوّر معنى ( الاجتهاد ) ] : الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد ، وهو : « بذل الوسع للقيام بعملٍ ما » ، وقد استعملت هذه الكلمة - لأوّل مرّةٍ - على الصعيد الفقهيّ للتعبير بها عن قاعدةٍ من القواعد التي قرّرتها بعض مدارس الفقه السنّيّ وسارت على أساسها ، وهي القاعدة القائلة : « إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً ولم يجد نصّاً يدلّ عليه في الكتاب أو السنّة رجع إلى الاجتهاد بدلًا عن النصّ » . والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي ، فالفقيه حيث لا يجد النصّ يرجع إلى تفكيره الخاصّ ويستلهمه ، ويبني على ما يرجّح في فكره الشخصيّ من تشريع ، وقد يعبرّ عنه بالرأي أيضاً . والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلًا من أدلّة الفقيه ومصدراً من مصادره ، فكما أنّ الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنّة ويستدلّ بهما معاً كذلك يستند في حالات عدم توفّر النصّ إلى الاجتهاد الشخصيّ ويستدلّ به . وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السنّي ، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة . ولقي في نفس الوقت معارضةً شديدةً من أئمة أهل البيت عليهم السلام والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم . وتتبّع كلمة « الاجتهاد » يدلّ على أنّ الكلمة حملت هذا المعنى ، وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمّة إلى القرن السابع ، فالروايات المأثورة عن أئمة