السيد محمد باقر الصدر

112

دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

يشكِّلون الأكثرية فقط سُمِّي ذلك « شهرة » . فالإجماع والشهرة طريقان لاكتشاف وجود الدليل اللفظيِّ في جملةٍ من الأحيان . وحكم الإجماع والشهرة من ناحيةٍ اصوليةٍ أنّه متى حصل العلم بالدليل الشرعيِّ بسبب الإجماع أو الشهرة وجب الأخذ بذلك في عملية الاستنباط ، وأصبح الإجماع والشهرة حجّة ، وإذا لم يحصل العلم بسبب الإجماع أو الشهرة فلا اعتبار بهما ، إذ لا يفيدان حينئذٍ إلّاالظنّ ، ولا دليل على حجّية هذا الظنّ شرعاً ، فالأصل عدم حجّيته ؛ لأنّ هذا هو الأصل في كلّ ظنٍّ ، كما تقدم . الثالث : سيرة المتشرّعة ، وهي السلوك العامّ للمتديِّنين في عصر المعصومين ، من قبيل اتّفاقهم على إقامة صلاة الظهر في يوم الجمعة بدلًا عن صلاة الجمعة ، أو على عدم دفع الخمس من الميراث . وهذا السلوك العامّ إذا حلّلناه إلى مفرداته ، ولاحظنا سلوك كلّ واحدٍ بصورةٍ مستقلّةٍ نجد أنّ سلوك الفرد المتديِّن الواحد في عصر التشريع يعتبر قرينةَ إثباتٍ ناقصة على صدور بيانٍ شرعيٍّ يقرّر ذلك السلوك ، ونحتمل في نفس الوقت أيضاً الخطأ والغفلة وحتّى التسامح . فإذا عرفنا أنّ فردين في عصر التشريع كانا يسلكان نفس السلوك ويصلّيان الظهر - مثلًا - في يوم الجمعة ازدادت قوّة الإثبات ، وهكذا تكبر قوّة الإثبات حتى تصل إلى درجةٍ كبيرةٍ عندما نعرف أنّ ذلك السلوك كان سلوكاً عامّاً يتّبعه جمهرة المتديّنين في عصر التشريع ، إذ يبدو من المؤكَّد حينئذٍ أنّ سلوك هؤلاء جميعاً لم ينشأ عن خطأ أو غفلةٍ أو تسامح ؛ لأنّ الخطأ والغفلة أو التسامح قد يقع فيه هذا أو ذاك ، وليس من المحتمل أن يقع فيه جمهرة المتديّين في عصر التشريع جميعاً .