السيد محمد باقر الصدر

146

الإسلام يقود الحياة ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 1 )

وهكذا شكّلت الفطرة في البداية أساساً لإقامة مجتمع التوحيد ، وكان الإنسان - ممثَّلًا في الجماعة الإنسانية كلّها - يمارس خلافة اللَّه على الأرض وفقاً لذلك ، وكان خطّ الشهادة قائماً إلى جانب خطّ الخلافة ممثَّلًا في الأنبياء ، وكان دور الأنبياء في تلك المرحلة ممارسة مهمّة الشهيد الربّاني ، مهمّة الهادي والموجِّه والرقيب ، كما يفهم من النصِّ القرآني الثاني ؛ إذ اعتبر بعثة الأنبياء الذين يحكمون بين الناس في فترةٍ تاليةٍ للمرحلة التي كان الناس فيها امّةً واحدةً . ففي هذه المرحلة إذن كانت الخلافة والحكم للجماعة البشرية نفسها ، وكان خطّ الشهادة للإشراف والتوجيه والتدخّل إذا تطلّب الأمر . وبعد أن مرّت على البشرية فترة من الزمن وهي تمارس خلافتها من خلال مجتمعٍ موحّدٍ تحقّقت نبوءة الملائكة ، وبدأ الاستغلال والتناقض في المصالح والتنافس على السيطرة والتملّك ، وظهر الفساد وسفك الدماء ؛ وذلك لأنّ التجربة الاجتماعية نفسها وممارسة العمل على الأرض نمَّت خبرات الأفراد ووسّعت إمكاناتهم ، فبرزت ألوان التفاوت بين مواهبهم وقابلياتهم ، ونجم عن هذا التفاوت اختلاف مواقعهم على الساحة الاجتماعية ، وأتاح ذلك فرص الاستغلال لمن حظي بالموقع الأقوى ، وانقسم المجتمع بسبب ذلك إلى أقوياء وضعفاء ومتوسّطين ، وبالتالي إلى مستغلِّين ومستضعَفين ، وفقدت الجماعة البشرية بذلك وحدتها الفطرية ، وصدق قول اللَّه تعالى في آية تحمّل الإنسان للأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض ، إذ قال : « وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » « 1 » . وعلى هذا الأساس لم يَعُد في المنطق الربّاني للأقوياء المستغلِّين موقع في

--> ( 1 ) الأحزاب : 72