السيد محمد باقر الصدر
130
الإسلام يقود الحياة ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 1 )
إدراك الكائن أنّه مسؤول لا يمكن أن ينهض بأعباء الأمانة أو يُختار لممارسة دور الخلافة : « إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا » « 1 » . والمسؤولية علاقة ذات حدَّين : فهي من ناحيةٍ تعني الارتباط والتقيّد ، فالجماعة البشرية التي تتحمّل مسؤوليات الخلافة على الأرض إنّما تمارس هذا الدور بوصفها خليفةً عن اللَّه ، ولهذا فهي غير مخوَّلةٍ أن تحكم بهواها أو باجتهادها المنفصل عن توجيه اللَّه سبحانه وتعالى ؛ لأنّ هذا يتنافى مع طبيعة الاستخلاف ، وإنّما تحكم بالحق وتؤدي إلى اللَّه تعالى أمانته بتطبيق أحكامه على عباده وبلاده . وبهذا تتميّز خلافة الجماعة بمفهومها القرآني والإسلامي عن حكم الجماعة في الأنظمة الديمقراطية الغربية ، فإنّ الجماعة في هذه الأنظمة هي صاحبة السيادة ، ولا تنوب عن اللَّه في ممارستها ، ويترتّب على ذلك أنّها ليست مسؤولةً بين يدي أحد ، وغيرُ ملزمةٍ بمقياسٍ موضوعيٍّ في الحكم ، بل يكفي أن تتّفق على شيءٍ ولو كان هذا الشيء مخالفاً لمصلحتها ولكرامتها عموماً ، أو مخالفاً لمصلحة جزءٍ من الجماعة وكرامته ما دام هذا الجزء قد تنازل عن مصلحته وكرامته . وعلى العكس من ذلك حكم الجماعة القائم على أساس الاستخلاف ، فإنّه حكم مسؤول ، والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحقّ والعدل ، ورفض الظلم والطغيان ، وليست مخيَّرةً بين هذا وذاك ، حتّى إنّ القرآن الكريم يسمّي الجماعة التي تقبل بالظلم وتستسيغ السكوت عن الطغيان بأ نّها « ظالمة لنفسها » ، ويعتبرها مسؤولةً عن هذا الظلم ومطالبةً برفضه بأيِّ شكلٍ من الأشكال ولو بالهجرة والانفصال إذا تعذّر التغيير ، قال اللَّه سبحانه وتعالى : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي
--> ( 1 ) الإسراء : 34