السيد محمد باقر الصدر
78
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
بدورها أيضاً أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهنٍ إنساني عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معيّنة . فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطوّرة تبعاً لتطوّرها ، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة الأبدية للتأريخ . ونحن وإن كنّا لا نؤمن بأنّ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الوحيد لولادة النظريات والأفكار ، ولكنّنا لا ننكر تأثيرها في تكوين كثير من الأفكار والنظريات . ولنضرب لذلك مثلًا من مفاهيم المادية التأريخية ، وهو مفهوم ماركس الثوري للتأريخ ، فقد ظنّ ماركس أنّ إزالة المجتمع الرأسمالي أو أيّ مجتمع آخر لا يتمّ إلّابنضال ثوري بين طبقتيه الأساسيتين ، وهما : طبقة البورجوازية ، وطبقة البروليتاريا . وعلى هذا الأساس اعتبر الثورة من أعمّ القوانين التي تسيطر على التأريخ البشري كلّه ، وجاء الماركسيون بعد ذلك ، فبدلًا عن محاولة استكشاف الظروف الاجتماعية التي أوحت إلى ماركس بحتمية الثورة وضرورتها التأريخية آمنوا بأنّ الثورة من القوانين الأبدية للتأريخ ، مع أنّها لم تكن في الحقيقة إلّافكرة استوحاها ماركس من الظروف التي عاشها ، ثمّ قفز بها إلى مصافّ القوانين المطلقة للتأريخ . فقد عاصر ماركس رأسمالية القرن التاسع عشر ، تلك الرأسمالية المطلقة المتميّزة بظروفها السياسية والاقتصادية الخاصّة . فبدا له أنّ التلاحم الثوري أقرب ما يكون إلى الوقوع ، وأوضح ما يكون ضرورة ؛ لأنّ البؤس والنعيم والفقر والغنى في ظلّ الرأسمالية المطلقة كانا يتزايدان باستمرار ودون عائق ، وكانت الظروف السياسية مظلمة إلى حدّ كبير ، فتفتّق ذهن ماركس عن فكرة النضال الطبقي الذي يستشري ويزداد تناقضاً يوماً بعد يوم ، حتّى ينفجر البركان ويحلّ التناقض بالثورة . فآمن بأنّ الانقلاب الثوري من قوانين التأريخ العامّة . ومات ماركس واختلفت الأوضاع الاجتماعية في أوروبا الغربية ، وأخذت الظروف السياسية