السيد محمد باقر الصدر
67
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
ميدان البحث التأريخي ، ولا أن تتحرّر من المثالية في مفاهيمها التأريخية تحرّراً نهائياً . والحقيقة هي : أنّ المادية بمفهومها الفلسفي تعني أنّ المادّة بظواهرها المتنوّعة هي الواقع الوحيد ، الذي يشمل كلّ ظواهر العالم وألوان الوجود فيه ، وليست الروحيات وكلّ ما يدخل في نطاقها من أفكار ومشاعر وتجريدات إلّا نتاجاً مادياً ، وحصيلة للمادة في درجات خاصّة من تطوّرها ونموّها . فالفكر مهما بدا رفيعاً وعالياً عن مستوى المادة فهو لا يبدو في منظار المادية الفلسفية إلّا نتاجاً للنشاط الوظيفي للدماغ . ولا يوجد واقع خارج حدود المادة ووجوهها المختلفة ، وليست هي بحاجة إلى أيّ معنى لا مادّي . فأفكار الإنسان ومحتوياته الروحية ، والطبيعة التي يمارسها على أساس هذا المفهوم الفلسفي ليست كلّها إلّاأوجهاً مختلفة للمادة وتطوّراتها ونشاطاتها . هذه هي المادية الفلسفية ونظرتها العامة إلى الإنسان والكون . ولا يختلف في حساب هذه النظرة الفلسفية أن يكون الإنسان نتاجاً للشروط المادية والقوى المنتجة ، أو أن تكون شروط الإنتاج وقواه نتاجاً للإنسان . فما دام الإنسان وأفكاره والطبيعة وقواها المنتجة كلّها ضمن حدود المادّة - كما تزعم المادية الفلسفية - فلا يضيرها من ناحية فلسفية أن يبدأ التفسير التأريخي بأيّ حلقة من الحلقات ، فيعتبرها الحلقة الأولى في التسلسل الاجتماعي . فكما يصحّ أن نبدأ بالأداة المنتجة ، فنسبغ عليها صفة الألوهية للتأريخ ، ونعتبرها السبب الأعلى لكلّ التيارات التأريخية كذلك يمكن - من وجهة النظر المادية الفلسفية - أن نبدأ بالإنسانية بصفتها نقطة الابتداء في تفسير التأريخ ، فكلاهما في حساب المادية الفلسفية سواء . وبهذا يتّضح أنّ الاتجاه المادي في الفلسفة - الذي يفسّر الإنسان والطبيعة