السيد محمد باقر الصدر

56

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

وهكذا تضع الماركسية يدها على رأس الخيط ، وتصل في تسلسلها الصاعد إلى السبب الأوّل في الحركة التأريخية بمجموعها . وهنا يبدو سؤالان : ما هي وسائل الإنتاج ؟ وكيف تنشأ عنها الحركة التأريخية والحياة الاجتماعية كلّها ؟ وتجيب الماركسية على السؤال الأوّل : بأنّ وسائل الإنتاج هي الأدوات التي يستخدمها الناس في إنتاج حاجاتهم المادية ؛ ذلك إنّ الإنسان مضطرّ إلى الصراع مع الطبيعة في سبيل وجوده ، وهذا الصراع يتطلّب وجود قوى وأدوات معيّنة يستعملها الإنسان في تذليل الطبيعة واستثمار خيراتها . وأوّل أداة استخدمها الإنسان في هذا المجال هي يده وذراعه ، ثمّ أخذت الأداة تظهر في حياته شيئاً فشيئاً ، فاستفاد من الحجر بصفته كتلة ذات ثقل خاصّ في القطع ، والطحن ، والطرق . واستطاع بعد مرحلة طويلة من التأريخ أن يثبت هذه الكتلة الحجرية على مقبض فنشأت المطرقة . وأصبحت اليد تستخدم في تكوين الأداة المنتجة ، لا في الإنتاج المباشر ، وصار الإنتاج يعتمد على أدوات منفصلة ، وأخذت هذه الأدوات تنمو وتتطوّر كلّما ازدادت سلطة الإنسان على الطبيعة ، فصنع الفؤوس ، والحراب ، والسكاكين الحجرية ، ثمّ تمكّن بعد ذلك أن يخترع القوس والسهم ويستعملهما في الصيد . وهكذا تدرّجت القوى المنتجة تدرّجاً بطيئاً خلال آلاف السنين حتّى وصلت إلى مرحلتها التأريخية الحاضرة ، التي أصبح فيها البخار والكهرباء والذرّة هي الطاقات التي يعتمد عليها الإنتاج الحديث . فهذه هي القوى المنتجة التي تصنع للإنسان حاجاته المادية . وتجيب الماركسية على السؤال الثاني أيضاً : بأنّ الوسائل المنتجة تولّد الحركة التأريخية طبقاً لتطوّراتها وتناقضاتها . وتشرح ذلك قائلة : إنّ القوى المنتجة في تطوّر ونموّ مستمرّ ، كما رأينا ، وكلّ درجة معيّنة من تطوّر هذه القوى