السيد محمد باقر الصدر

398

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

وأمّا المبادلة فليس من الضروري أن توجد في حياة المجتمع منذ البدء ؛ لأنّ المجتمعات في بداية تكوينها تعيش على الأغلب لوناً من الاقتصاد البدائي المقفل الذي يعني : قيام كلّ عائلة في المجتمع بإنتاج كلّ ما تحتاج إليه دون الاستعانة بمجهودات الآخرين . وهذا اللون من الاقتصاد المقفل لا يفسح مجالًا للمبادلة ما دام كلّ منتوج يستوعب بإنتاجه كلّ حاجاته البسيطة ، ويكتفي بما ينتجه من سلع . وإنّما تبدأ المبادلة دورها الفعّال على الصعيد الاقتصادي حين تتنوّع حاجات الإنسان وتنمو ، وتتعدّد السلع التي يحتاجها في حياته ، ويصبح كلّ فرد عاجزاً بمفرده عن إنتاج كلّ ما يحتاجه من تلك السلع بأنواعها وأشكالها المختلفة ، فيضطرّ المجتمع إلى تقسيم العمل بين أفراده ، ويأخذ كلّ منتج - أو فئة من المنتجين - بالتخصّص في إنتاج سلعة معيّنة من السلع المختلفة التي يحسن إنتاجها أكثر من غيرها ، ويشبع حاجاته الأخرى بمبادلة الفائض من السلع التي ينتجها بما يحتاجه من السلع التي ينتجها الآخرون ، فتبدأ المبادلة في الحياة الاقتصاديّة بوصفها وسيلة لإشباع حاجات المنتجين ، بدلًا عن تكليف كلّ منتج بإشباع حاجاته كلّها بإنتاجه المباشر . وهكذا تنشأ المبادلة تيسيراً للحياة ، وتجاوباً مع اتّساع الحاجات واتّجاه الإنتاج إلى التخصّص والتطوّر . وعلى هذا الأساس نعرف أنّ المبادلة في الحقيقة تعمل في الحياة الاقتصاديّة للمجتمع بوصفها واسطة بين الإنتاج والاستهلاك ، أو بتعبير آخر : بين المنتجين والمستهلكين ، فالمنتج يجد دائماً عن طريق المبادلة المستهلك الذي يحتاج إلى السلعة التي ينتجها ، وهذا المستهلك بدوره ينتج سلعة من نوع آخر ويحصل في المبادلة على المستهلك الذي يشتريها .