السيد محمد باقر الصدر

378

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

وهذه الحيرة التي شهدت على عهد المناذرة رقيّاً كبيراً في الصناعة والتجارة . فقد ازدهرت فيها صناعة الأنسجة والأسلحة والخزف وأواني الفخار والنقوش ، واستطاع المناذرة أن يمدّوا نفوذهم التجاري إلى أواسط وجنوب وغربي الجزيرة العربيّة ، وكانوا يرسلون قوافل تجاريّة إلى الأسواق الرئيسيّة وهي تحمل منتوجات بلادهم . والحضارة التدمريّة التي استمرّت عدّة قرون ، وازدهرت في ظلّها التجارة وقامت علاقاتها التجاريّة بمختلف دول العالم ، كالصين والهند وبابل والمدن الفنيقيّة وبلاد الجزيرة « 1 » . والحضارات التي حفل بها تاريخ اليمن منذ أقدم العهود « 2 » . . . إنّ دراسة تلك الحضارات والمدنيّات وظروفها التجاريّة والاقتصاديّة ، ومقارنتها بمكّة في واقعها الحضاري والمدني قبل الإسلام يبرهن على أنّ الانقلاب الإسلامي في العلاقات الاجتماعيّة والحياة الفكريّة لم يكن مسألة شروط مادّية وظروف اقتصاديّة وتجاريّة ، وبالتالي أنّ العلاقات الاجتماعيّة بما فيها علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج والوضع الاقتصادي للقوى المنتجة . أفليس من حقّ الإسلام بعد هذا كلّه أن يزيّف بكلّ اطمئنان وثقة تلك الحتميّة التاريخيّة التي تربط كلّ أسلوب من أساليب التوزيع بأسلوب من أساليب الإنتاج ، ويعلن بالدليل المادّي المحسوس : أنّ النظام يقوم على أسس فكريّة وروحيّة ، وليس على الطريقة المادّية في كسب حاجات الحياة ؟ !

--> ( 1 ) راجع دائرة المعارف 6 : 79 - 81 ( 2 ) الموسوعة العربيّة الميسَّرة : 956 . ودائرة المعارف الإسلاميّة 11 : 206