السيد محمد باقر الصدر
377
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
دون غيرها من البلاد العالميّة والعربيّة التي شهدت مدنيّات أضخم وشروطاً مادّية أرقى ، وكانت تفوق مكّة في ظروفها السياسيّة والاقتصاديّة ؟ ! أفلم يكن من المحتوم في المنطق المادّي للتاريخ أن ينبثق التطوّر الاجتماعي الجديد من تلك البلاد ؟ ! فكيف استطاعت ظروف تجاريّة معيّنة في بلد كمكّة أن تخلق تاريخاً إنسانيّاً جديداً ، بينما عجزت عن مثل ذلك ظروف مشابهة ، أو ظروف أكثر منها تطوّراً ونموّاً ؟ ! فلئن كانت مكّة تتمتّع بظرف تجاري مناسب لمرور التجارة بها بين اليمن وسوريا فقد كان الأنباط يتمتّعون بظروف تجاريّة مهمّة حين أنشؤوا ( بَطرا ) كمحطّة للطرق التجاريّة ، وأنشؤوا فيها مدنيّة من أرقى المدنيّات العربيّة ، حتّى امتدّ نفوذهم إلى ما يجاورهم من البلاد ، وأقاموا فيها حاميات للقوافل التجاريّة وأماكن لاستغلال المناجم ، وأصبحت مدينتهم ردحاً من الزمن المدينة الرئيسيّة للقوافل ومركزاً تجاريّاً مهمّاً ، وامتدّ نشاطهم التجاري إلى مناطق واسعة ، حتّى وجدت آثار تجارتهم في ( سلوقية ) وموانئ سورية والاسكندريّة ، وكانوا يتاجرون بالأفاويه « 1 » من اليمن ، والحرير من الصين ، والحناء من عسقلان ، والزجاج وصبغ الإرجوان من صيدا وصور ، واللؤلؤ من الخليج الفارسي ، والخزف من روما ، وينتجون في بلادهم الذهب والفضّة والقار وزيت السمسم . . . . وبالرغم من هذا المستوى التجاري والإنتاجي الذي لم تصل إليه مكّة ظلّت الأنباط في علاقاتها الاجتماعيّة كما هي تنتظر دور مكّة الربّاني في تطوير التاريخ .
--> ( 1 ) الأفاويه : التوابل ونوافح الطيب والزهر أو خصوص الأبيض منه . القاموس المحيط 4 : 416 . و 2 : 210 . ( لجنة التحقيق )