السيد محمد باقر الصدر
314
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
بدون تحديد تلك الحرّيات التي يتمتّع بها أصحاب العمل وأرباب الثروة ، فإمّا أن يُسمح لأصحاب العمل أو المال بالتصرّف وفقاً لإرادتهم ، فتوفّر بذلك لهم الحرّية الشكليّة ، ويصبح من غير الممكن إعطاء ضمانات للعمل أو المعيشة . وإمّا أن تُعطى هذه الضمانات فلا يسمح لأصحاب العمل والمال أن يتصرّفوا كما يحلو لهم ، وفي ذلك خروج على مبدأ الحرّية الشكليّة القائل بضرورة السماح لكلّ أحد بالتصرّف في المجال الاقتصادي كما يريد . ولمّا كانت الرأسماليّة تؤمن بهذا المبدأ فقد وجدت نفسها مضطرّة إلى رفض فكرة الضمان - فكرة الحرّية الجوهريّة - حفاظاً على توفير الحرّية الشكليّة لجميع الأفراد على السواء . وبينما أخذ المجتمع الرأسمالي بالحرّية الشكليّة ، وطرح الحرّية الجوهريّة وفكرة الضمان جانباً وقف المجتمع الاشتراكي موقفاً معاكساً ، إذ قضت الاشتراكيّة الماركسيّة فيه على الحرّية الشكليّة بإقامة جهاز دكتاتوري يتولّى السلطة المطلقة في البلاد ، وزعمت أنّها عوّضت عن تلك الحرّية الشكليّة بحرّية جوهريّة ، أي بما تقدّمه للمواطنين من ضمانات للعمل والحياة . وهكذا أخذ كلّ من المذهبين بجانب من الحرّية ، وطرح الجانب الآخر ولم يُحلَّ هذا التناقض المستقطب بين الحرّية الشكليّة والحرّية الجوهريّة أو بين الشكل والجوهر إلّافي الإسلام الذي آمن بحاجة المجتمع إلى كلا اللونين من الحرّية ، فوفّر للمجتمع الحرّية الجوهريّة بوضع درجة معقولة من الضمان تسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة ، وممارسة متطلّباتها الضروريّة ، ولم يعترف في حدود هذا الضمان بالحرّية . وفي نفس الوقت لم يجعل من هذا الضمان مبرّراً للقضاء على الحرّية الشكليّة وهدر قيمتها الذاتيّة والموضوعيّة ، بل فتح السبيل أمام كلّ فرد خارج حدود الضمان ، ومنحه من الحرّيات ما ينسجم مع مفاهيمه عن الكون والحياة ، فالمرء مضمون بدرجة وفي حدود خاصّة ، وحرّ