السيد محمد باقر الصدر

292

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

ويستثمرها لصالح القضيّة الإنسانيّة الكبرى . فقد ورد في تاريخ تلك التجربة الذهبيّة : أنّ جماعة من غير ذوي اليسار والثروة جاؤوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قائلين : « يا رسول اللَّه ، ذهب الأغنياء بالأجور ، يصلّون كما نصلّي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدّقون بفضول أموالهم . فأجاب النبيّ قائلًا : أوَ ليس قد جعل اللَّه لكم ما تصدّقون به ؟ ! إنّ لكم بكلّ تسبيحة صدقة ، وبكلّ تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة » « 1 » . فهؤلاء المسلمون الذين احتجّوا بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله على واقعهم لم يكونوا يريدون الثروة بوصفها أداةً من أدوات المنعة والقوّة أو ضماناً لإشباع الرغبات الشخصيّة ، وإنّما عزّ عليهم أن يسبقهم الأغنياء في المقاييس المعنويّة بألوان البرّ والإحسان وبالمساهمة في المصالح العامّة على الصعيد الاجتماعي ، وهذا يعكس مفهوم الثروة وطبيعة الإنسان المسلم في ظلّ تجربة إسلاميّة كاملة للحياة . وجاء في وصف الإجارات والتجارات في المجتمع الإسلامي ما حدّث به الشاطبي ، إذ كتب يقول : « تجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلّا بأقلّ ما يكون من الربح أو الأجرة ، حتّى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسباً لغيره لا له . ولذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم ؛ لأنّهم وكلاء للناس لا لأنفسهم . . . ، بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم - وإن جازت - كالغشّ لغيرهم » « 2 » .

--> ( 1 ) مستدرك الوسائل 7 : 263 ، الباب 49 من أبواب الصدقة ، الحديث 10 ، مع اختلاف يسير ( 2 ) الموافقات في أصول الشريعة 2 : 134 ، المسألة الرابعة ، مبحث حظوظ المكلّف