السيد محمد باقر الصدر

272

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الكمّية والكيفيّة في الديالكتيك يؤكّد : أنّ التغيّرات الكيفيّة ليست تدريجيّة ، بل تحصل بصورة فجائيّة ، وتحدث بقفزة من حالة إلى أخرى ، وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسيّة بضرورة الثورة في مطلع كلّ مرحلة تاريخيّة بوصفها تحوّلًا آنيّاً ، فكيف بطل هذا القانون عند تحوّل المجتمع من الاشتراكيّة إلى الشيوعيّة ؟ ! والتحوّل التدريجي السلمي من المرحلة الاشتراكيّة إلى الشيوعيّة كما يناقض قوانين الديالكتيك كذلك يناقض طبيعة الأشياء ؛ إذ كيف يمكن أن نتصوّر أنّ الحكومة في المجتمع الاشتراكي تتنازل بالتدريج عن السلطة وتقلّص ظلّها حتّى تقضي بنفسها على نفسها ، بينما كانت كلّ حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسّك بمركزها ، وتدافع عن وجودها السياسي إلى آخر لحظة من حياتها ؟ ! فهل هناك أغرب من هذا التقليص التدريجي الذي تتبرّع بتحقيقه الحكومة نفسها فتسخو بحياتها في سبيل تطوير المجتمع ؟ ! بل هل هناك ما هو أبعد من هذا عن طبيعة المرحلة الاشتراكيّة والتجربة الواقعيّة التي تجسّدها اليوم في العالم ؟ ! فقد عرفنا أنّ من ضرورات المرحلة الاشتراكيّة قيام حكومة دكتاتوريّة مطلقة السلطان ، فكيف تصبح هذه الدكتاتوريّة المطلقة مقدّمة لتلاشي الحكومة واضمحلالها نهائيّاً ؟ ! وكيف يمهّد استفحال السلطة واستبدادها إلى زوالها واختفائها ؟ ! وأخيراً : فلنجنح مع الماركسيّة في أخيلتها ، ولنفترض أنّ المعجزة قد تحقّقت ، وأنّ المجتمع الشيوعي قد وجد ، وأصبح كلّ شخص يعمل حسب طاقته ويأخذ حسب حاجته ، أفلا يحتاج المجتمع إلى سلطة تحدّد هذه الحاجة وتوفّق بين الحاجات المتناقضة فيما إذا تزاحمت على سلعة واحدة ، وتنظّم العمل وتوزّعه على فروع الإنتاج ؟ !