السيد محمد باقر الصدر

246

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

وبالرغم من هذين الوجهين المختلفين للعلم والمذهب فإنّ الصلة وثيقة جدّاً بين المادّية التاريخيّة والماركسيّة المذهبيّة ؛ لأنّ المذهب الذي تتبنّى الماركسيّة الدعوة إليه ليس في الحقيقة إلّاتعبيراً قانونيّاً وشكلًا تشريعيّاً لمرحلة معيّنة من مراحل المادّية التاريخيّة ، وجزءاً محدوداً من المنحنى التاريخي العامّ الذي تفرضه حركة الإنتاج الصاعدة ، وقوانين تطوّره وتناقضاته . فالماركسيّة حين تتقمّص ثوب الداعية المذهبي إنّما تعبّر بذلك عن الحقيقة التاريخيّة لتلك القوانين ، فهي لا تنظر إلى الدعوة إلّابوصفها تنفيذاً لإرادة التاريخ وتحقيقاً لمقتضيات العامل الاقتصادي الذي يقود القافلة البشريّة اليوم نحو مرحلة جديدة ، هي المرحلة التي تتجسّد فيها مخطّطات المذهب الماركسي . ولهذا السبب كان يطلق ماركس على مذهبه اسم : الاشتراكيّة العلميّة ، تمييزاً لها عن سائر الاشتراكيّات التي عبّر أصحابها فيها عن اقتراحاتهم ومشاعرهم النفسيّة ، وليس عن الضرورة التاريخيّة وقوانينها ، فصاغوا مذاهبهم بعيدين عن الحساب العلمي ودراسة القوى المنتجة ونموّها . وفي المذهب الماركسي مرحلتان تطالب الماركسيّة - من ناحية مذهبيّة - بتطبيقهما تباعاً ، وتؤكّد - من ناحية المادّية التاريخيّة - على ضرورتهما التاريخيّة كذلك ، وهما : المرحلة الاشتراكيّة ، ثمّ الشيوعيّة . فالشيوعيّة تعتبر - من وجهة رأي المادّية التاريخيّة - أعلى مرحلة من مراحل التطوّر البشري ؛ لأنّها المرحلة التي يحقّق فيها التاريخ معجزته الكبرى ، وتقول فيها وسائل الإنتاج كلمتها الفاصلة . وأمّا المرحلة الاشتراكيّة التي تقوم على أنقاض المجتمع الرأسمالي ، وتحتلّ موقع الرأسماليّة مباشرة فهي : من ناحية تعبّر عن الثورة التاريخيّة المحتومة على الرأسماليّة حين تأخذ بالاحتضار ، ومن ناحية أخرى تعتبر شرطاً ضروريّاً لإيجاد المجتمع الشيوعي وقيادة السفينة إلى شاطئ التاريخ .