السيد محمد باقر الصدر

202

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

فهل ينطبق هذا الوصف على مفاهيم المادّية التاريخيّة وتفاسير ماركس ؟ إنّ الماركسيّة تؤكّد أنّ الانقلاب من مرحلة تاريخيّة إلى أخرى لا يتمّ إلّا بشكل ثوري ؛ لأنّ التغيّرات الكمّية التدريجيّة تؤدّي إلى تحوّل دفعي آني ، مع أنّ تحوّل اليابان من الإقطاع إلى الرأسماليّة تمّ بشكل سلمي ، وتنازل سادة الإقطاع عن حقوقهم ، فلم يضطرّوا اليابان - وهي في طريقها الرأسمالي - إلى ثورة كالثورة الفرنسيّة عام ( 1789 م ) . كما أنّ الماركسيّة تعتبر أنّ كلّ تطوّر لا يتمّ إلّامن خلال الصراع الطبقي بين طبقة تقف إلى صفّ التطوّر ، وأخرى تحاول الوقوف في وجهه ، بينما نرى أنّ المجتمع الياباني قد وقف بمجموعه إلى جانب حركة التطوّر الصناعي والرأسمالي ، ولم يشذّ عن ذلك حتّى سادة الإقطاع أنفسهم ، فقد آمنوا جميعاً بأنّ حياة البلاد رهن هذه الحركة وتنميتها . والماركسيّة ترى - كما قرأنا في نصوص رأس المال السابقة - أنّ التراكم الرأسمالي الذي تقوم الرأسماليّة الصناعيّة على أساسه لا يمكن أن يفسَّر بطرائق ( الغزل البريء ) على حدّ تعبير ماركس ، وإنّما يفسَّر بأعمال العنف والغزو وعمليّات التجريد والاغتصاب ، مع أنّ الواقع التاريخي لليابان يدلّل على العكس . فلم يحدث التراكم الرأسمالي ، ولم تنشأ الرأسماليّة الصناعيّة في اليابان نتيجة للغزو والاستعمار أو عمليّات تجريد المنتجين من وسائل إنتاجهم ، وإنّما وجدت هذه الحركة بفضل نشاط ساهمت فيه اليابان كلّها ، واستخدمت في تنميته السلطة الحاكمة كلّ نفوذها السياسي ، فظهرت البورجوازيّة على المسرح الاجتماعي كنتيجة لتلك النشاطات السياسيّة والفكريّة وغيرها ، وليس كقوّة خالقة للجوّ السياسي والفكري الذي يلائمها .