السيد محمد باقر الصدر

200

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الاستعماريّة المسعورة التي ارتكبت فيها ألوان الجرائم في مختلف بقاع الأرض ، وبعمليّات تجريد الصنّاع من وسائل إنتاجهم بالقوّة ، غير أنّ هذا لا يبرهن علميّاً على أنّ الرأسماليّة لا يمكن أن توجد دون تلك النشاطات والعمليّات ، وأ نّها تحمل في أعماقها الضرورة التاريخيّة لهذه النشاطات ، الأمر الذي يعني أنّ إنكلترا كان من الضروري أن تشهد تلك النشاطات والعمليّات في مطلع الرأسماليّة ولو كانت تعيش في إطار فكري آخر ، بل إنّ التاريخ يبرهن على عكس ذلك ، فقد قام الإنتاج الرأسمالي في فلاندرز وإيطاليا في القرن الثالث عشر ، ونشأت فيها مؤسّسات رأسماليّة ينتج فيها آلاف من الاجراء سلعاً تغزو الأسواق العالميّة لحساب الملّاك الرأسماليّين ، ولم تظهر خلال ذلك الأعراض التي ظهرت في إنكلترا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي درسها ماركس في تحليله التاريخي للرأسماليّة . ولنأخذ مثلًا آخر : الإنتاج الرأسمالي في اليابان التي بدأت في القرن التاسع عشر تتحوّل من الأوضاع الإقطاعيّة إلى الرأسماليّة الصناعيّة ، ونختار هذا المثال بالذات ؛ لأنّ ماركس أشار في كلامه إشارة عابرة إلى : « فاليابان بتنظيمها الإقطاعي البحت للملكيّة العقاريّة وللزراعة الصغيرة فيها تقدّم لنا إذن من وجهات عديدة صورة أكثر أمانةً عن العصور الوسطى الاوروبيّة من تلك التي تقدّمها كتب التاريخ عندنا ، المشبعة بأفكار بورجوازيّة مسبقة » « 1 » . فلنفحص هذه الصورة الأمينة للإقطاع : كيف تحوّلت إلى الرأسماليّة الصناعيّة ؟ وهل يتّفق تحوّلها مع مفاهيم المادّية التاريخيّة وتفاسير ماركس لنشوء

--> ( 1 ) رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1058