السيد محمد باقر الصدر

193

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

يمكننا قبل كلّ شيء أن نلاحظ بهذا الصدد ما أصابه ماركس من التوفيق ، وما أتقنه بذكاء وبراعة من التصرّف البارع بالألفاظ ؛ ذلك أنّه لاحظ لدى تحليل النظام الرأسمالي أنّ هذا النظام يتضمّن في أعماقه علاقة معيّنة بين رأسمالي يملك وسائل الإنتاج وأجير لا يملك شيئاً منها ، وهو لذلك يتنازل عن منتوجه إلى الرأسمالي . واستخلص من ذلك : أنّ النظام الرأسمالي يتوقّف على عدم وجود القوى المنتجة عند الفئات العاملة القادرة على ممارسة الإنتاج وانحصارها لدى التجاريّين ؛ لتضطرّ تلك الفئات إلى العمل بأجرة عند هؤلاء . وهذه الحقيقة تعتبر واضحة دون مراء ، غير أنّ ماركس كان بحاجة إلى لعبة لفظيّة ليصل عن طريق هذه الحقيقة إلى ما يعنيه ، ولذلك غيّر من تعبيره ، وانتقل من قوله ذاك إلى التأكيد على : أنّ سرّ التراكم الأوّل يكمن في فصل وسائل الإنتاج عن المنتجين وتجريدهم منها بالقوّة ، واختصاص التجاريّين بها . وهكذا بدا هذا المفكّر الكبير وكأ نّه لم يدرك الفرق المعنوي بين المقدّمات التي ساقها والنتيجة التي انتهى إلى التأكيد عليها ، فإنّ تلك المقدّمات كانت تعني : أنّ عدم وجود الوسائل المنتجة عند جماعات من القادرين على العمل ووجودها عند التجاريّين هو الشرط الأساسي لوجود الرأسماليّة ، وهذا يختلف عن النتيجة التي انتهى إليها أخيراً والتي فسّرت عدم وجود الوسائل لدى الاجراء بتجريدهم منها وانتزاعها منهم بالقوّة . فهذا التجريد والانتزاع إذن إضافة جديدة تماماً لا تتضمّنها المقدّمات التحليليّة التي ساقها ، ولا يمكن أن يستنتج منطقيّاً من تحليل جوهر النظام الرأسمالي والعلاقات المحدّدة فيه بين المالك والأجير . وقد تقول الماركسيّة تعليقاً على ما قلناه : صحيح أنّ النظام الرأسمالي إنّما يتوقّف فقط على عدم وجود الوسائل المنتجة عند العمّال وتوفّرها عند التجاريّين ولكن كيف نفسّر ذلك ؟ ولماذا لم توجد الوسائل المنتجة عند العمّال