السيد محمد باقر الصدر
155
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
انعكاسه على العدسات . ويجب أن نعرف بهذا الصدد أنّ قصّة العلم لا تتمثّل كلّها في الأدوات ، فما أكثر الحقائق التي كانت أدوات اكتشافها جاهزة ولكنّها ظلّت مستورة عن عين الإنسان حتّى بلغ التفاعل والتكامل في الفكر العلمي إلى درجة سمحت له باكتشاف الحقيقة وصوغها في مفهوم علمي خاصّ ! ويمكننا أن نقدّم مثلًا بسيطاً على ذلك من فكرة الضغط الجوّي ، هذه الفكرة التي تعتبر من الفتوح الكبرى للعلم في القرن السابع عشر . فهل تدري كيف سجّل العلم هذا الفتح العظيم ؟ إنّه سجّله في فكرة طرأت على ذهن ( توريشلّي ) ، إذ لاحظ أنّ المضخّة لا تستطيع أن ترفع الماء إلى أكثر من ( 34 ) قدماً . وقد سبقه إلى هذه الملاحظة آلاف من رجال الأعمال خلال قرون ، كما سبقه إليها بوجه خاصّ العالم الكبير ( غاليليو ) ، ولكنّ الشيء العظيم الذي قدّر ل ( توريشلّي ) أن يقدّمه إلى العلم هو تفسير هذه الظاهرة التي كانت معروفة منذ قرون ، فقد قال : إنّ الحدّ الذي ترفع المضخّة إليه الماء فلا تزيد عنه ( / 34 قدماً ) قد يكون هو مقياس ما للجوّ من ضغط ، وإذا كان الضغط الجوّي قادراً على حمل عمود من الماء طوله ( 34 ) قدماً فهو لا بدّ حامل عموداً من الزئبق أقصر من العمود المائي ؛ لأنّ الزئبق أثقل من الماء ، وسرعان ما تأكّد من صحّة هذه النتيجة ، وأقام عن طريقها الدليل العلمي على وجود الضغط الجوّي ، الأمر الذي قام على أساسه عدد عظيم من الكشوف والاختراعات . فمن حقّنا أن نقف عند هذا الكشف العلمي بوصفه حدثاً تاريخياً لنتساءل : لماذا وجد هذا الحدث العلمي في فترة معيّنة من القرن السابع عشر ولم يتحقّق قبل ذلك ؟ أفلم تكن هناك حاجة للإنسان قبل هذا إلى الاستفادة من قوى الضغط وتسخيره في قضاء مختلف الحاجات ؟ ! أوَ لم تكن الظاهرة التي وضع ( توريشلّي ) نظريّته في ضوئها معروفة خلال قرون منذ بدء استعمال المضخّات