السيد محمد باقر الصدر
151
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
الأساسي الوحيد لتاريخ العلم وتطوّراته ، فإنّ كثيراً من الحاجات بقيت تنتظر آلاف السنين كلمة العلم بشأنها ، ولم تستطع بمجرّد وجودها في حياة الناس المادّية أن تظفر من العلم بمكسب ، حتّى آن للعلم أن يصل إلى الدرجة التي تتيح له قضاء هذه الحاجة . ولنأخذ المثال على ذلك من كشف علمي قد يبدو الآن تافهاً ولكنّه عبّر في حينه عن تطوّر علمي جديد ، وهو اختراع النظّارات ، فحاجة الناس إلى النظّارات - مثلًا - قديمة قدم الإنسان ، ولكنّ هذه الحاجة المادّية بقيت تنتظر دورها ، حتّى جاء القرن الثالث عشر ، فاستطاعت أوروبا أن تأخذ عن المسلمين معلوماتهم عن انعكاس الضوء وانكساره ، وبالتالي تمكّن العلماء على أساس هذه المعلومات أن يصنعوا النظّارات « 1 » ، فهل كان هذا الحدث العلمي وليد حاجة جديدة نبعت من الواقع الاقتصادي والمادّي للمجتمع ، أو كان نتيجة لعوامل فكريّة استطاعت أن تؤدّي إلى اختراع النظّارات عند وصولها إلى درجة معيّنة من تطوّرها وتكاملها ؟ ولو كان بإمكان الحاجة المنبثقة من الظروف الاقتصاديّة أن تفسّر العلم والكشوف العلميّة فكيف يمكن أن نفهم اكتشاف أوروبا لقدرة المغناطيس على تعيين الاتّجاه في القرن الثالث عشر ، حين استعملت الإبرة المغناطيسيّة في إرشاد السفن ؟ مع أنّ الطريق البحري كان هو الطريق الرئيسي للتجارة في قرون خلت ، وكان الرومان يعتمدون في التجارة على طريق البحر بصورة رئيسية ، ولم يتح لهم - بالرغم من ذلك - أن يكتشفوا للمغناطيس قدرته على توجيه السفن ، ولم تشفع لهم حاجاتهم النابعة من واقعهم الاقتصادي بذلك ، بينما تؤكّد بعض الروايات التاريخية أنّ الصين قد ظفرت بهذا الكشف قبل عشرين قرناً تقريباً « 2 » .
--> ( 1 ) الموسوعة العربية الميسَّرة 1 : 29 ، والمورد 5 : 151 ( 2 ) تاريخ العلوم عند العرب : 229