السيد محمد باقر الصدر

122

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

وعملية تغيير كهذه يقوم بها عدد من الناس لا يمكن أن توجد تأريخياً ما لم تسبقها شروط معيّنة ، يمكن تلخيصها في أمرين جوهريين : أحدهما : الفكر ، فإنّ الكائن الحيّ لا يستطيع أن يغيّر من شكل الطبيعة بقصد إشباع حاجاته ، فيجعل الحنطة دقيقاً أو الدقيق خبزاً . . ما لم يكن يملك فكراً عن الشكل الذي سوف يمنحه للطبيعة ، فعملية التغيير لا يمكن أن تنفصل بحال عن التفكير فيما ستتمخّض عنه العملية من أشكال وأوضاع للطبيعة لا تزال في ابتداء العمل غيبية . ولأجل هذا لم يكن من الممكن للحيوان أن يقوم بعملية إنتاج ، عملية تغيير حاسم للطبيعة . والأمر الآخر : هو اللغة بوصفها المظهر المادي للفكر الذي يتيح للمشتركين في عملية الإنتاج أن يتفاهموا ، ويتّخذوا موقفاً موحّداً خلال العملية ، فما لم يملك كلّ منتجٍ أداة للتعبير عن فكره وتفهّم أفكار شركائه في العمل لا يستطيع أن ينتج . وهكذا نجد بوضوح أنّ الفكر - بأيّ درجة كان - يجب أن يسبق عملية الإنتاج ، وأنّ اللغة ليست نابعة من عملية الإنتاج ، كما تنبع كلّ العلاقات والظواهر التأريخية في زعم الماركسية . . وإنّما تنبع من الحاجة إلى تبادل الأفكار بوصفها المظهر المادي للفكر . فلم تنشأ اللغة - إذن - من القاعدة الرئيسية المزعومة ، من عملية الإنتاج بالرغم من أنّها أهمّ ظاهرة اجتماعية على الإطلاق . . وإنّما كانت هي الشرط الضروري تأريخياً في وجود هذه القاعدة المزعومة . وأكبر دليل يمكننا أن نقدّمه على ذلك هو استقلال اللغة في تطوّرها عن الإنتاج وقواه . فلو كانت اللغة وليدة الإنتاج ، وليدة القاعدة المزعومة لتطوّرت وتغيّرت تبعاً لتطوّر أشكال الإنتاج وتغيّرها ، كما تتغيّر تبعاً لذلك جميع الظواهر والعلاقات الاجتماعية في رأي الماركسية ، ولا يوجد ماركسي واحد - وحتّى