السيد محمد باقر الصدر
94
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
الحالات الأخرى المماثلة سوف يظلّ سبباً وسوف يقترن به ( ب ) دائماً ؟ وقد رأينا في دراستنا لموقف الاتجاه الأرسطي تجاه مشاكل الاستقراء أنّ المشكلة الثانية من هذه المشاكل الثلاث هي التي استأثرت باهتمامه على الصعيد المنطقي دون الأولى والثالثة ، اعتماداً منه في حلّهما على ما تقرّره الفلسفة العقليّة التي يؤمن بها من مبادئ قبليّة للسببيّة . وقد عالج المشكلة الثانية على أساس افتراض مبدأ قبلي أيضاً ينفي تكرّر الصدفة النسبيّة على خطّ طويل . وأمّا المذهب التجريبي فهو يرفض فكرة وجود قضايا قبليّة ، ولا يؤمن بالمبادئ العقليّة للسببيّة التي آمن بها التفسير الأرسطي للاستقراء ، ولهذا استقطبت المشكلة الأولى والثالثة اهتمامه ، ولم تحظ المشكلة الثانية منه إلّاباهتمام جانبي ؛ لأنّ المذهب التجريبي يدرك خطورة المشكلة الأولى والثالثة بالنسبة إليه ، إذ لا يمكنه أن يعالجها عن طريق المبادئ العقليّة للسببيّة التي افترضها المنطق الأرسطي ما دام لا يقرّ بوجود معرفة عقليّة قبليّة . ولدى تحديد موقف المذهب التجريبي من الدليل الاستقرائي وطريقة تفسيره له يمكن أن نصنّف موقفه إلى ثلاثة اتجاهات سوف نستعرضها تباعاً ، وفقاً لدرجة وثوقها بالدليل الاستقرائي ، لا وفقاً لتسلسلها التأريخي . فالأوّل : هو اتجاه اليقين الذي يؤمن بإمكان الوصول إلى اليقين عن طريق الدليل الاستقرائي . والثاني : هو اتجاه الترجيح الذي يرى أنّ الدليل الاستقرائي يسبّب رجحاناً للقضيّة الاستقرائيّة ، وكلّما امتدّ الاستقراء وتوسّع ازدادت القضيّة الاستقرائيّة رجحاناً دون أن تصل إلى مستوى اليقين . والثالث : الاتجاه الذي يشكّ في قيمة القضيّة الاستقرائيّة من الناحية الموضوعيّة ، ويفسّر الاستدلال الاستقرائي بوصفه عادة ذهنيّة بحتة .