السيد محمد باقر الصدر

578

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

القيمة التي يمنحها للاستدلال العلمي . وهكذا نبرهن على أنّ العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي الاستقرائي ، ولا يمكن - من وجهة النظر المنطقية للاستقراء - الفصل بينهما . وهذا الارتباط المنطقي بين مناهج الاستدلال العلمي ، والمنهج الذي يتّخذه الاستدلال على إثبات الصانع بمظاهر الحكمة ، قد يكون هو السبب الذي أدّى بالقرآن الكريم إلى التركيز على هذا الاستدلال من بين ألوان الاستدلال المتنوّعة على إثبات الصانع ، تأكيداً للطابع التجريبي والاستقرائي للدليل على إثبات الصانع . فإنّ القرآن الكريم - بوصفه الصيغة الخاتمة لأديان السماء - قد قدّر له أن يبدأ بممارسة دوره الديني مع تطلّع الإنسان نحو العلم ، وأن يتعامل مع البشرية التي أخذت تبني معرفتها على أساس العلم والتجربة ، وتحدّد بهذه المعرفة موقفها في كلّ المجالات . فكان من الطبيعي - على هذا الأساس - أن يتّجه القرآن الكريم إلى دليل القصد والحكمة - بوصفه الدليل الذي يمثّل المنهج الحقيقي للاستدلال العلمي ، ويقوم على نفس أسسه المنطقية - ، ويفضّله على سائر الصيغ الفلسفية للاستدلال على وجود اللَّه تعالى . هذا إضافة إلى أنّ الدليل التجريبي على وجود اللَّه - الذي يضع هذا الكتاب أساسه المنطقي - أقرب إلى الفهم البشري العامّ ، وأقدر على ملء وجدان الإنسان - أيّ إنسان - وعقله بالإيمان من البراهين الفلسفية ذات الصيغ النظرية المجرّدة التي يقتصر معظم تأثيرها على عقول الفلاسفة وأفكارهم . « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » « 1 » .

--> ( 1 ) فصّلت : 53