السيد محمد باقر الصدر
559
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
لأنّ التجربة هي التي تثبت أنّ المكان مسطّح أو غير مسطّح . ومن أجل ذلك كان بالإمكان إقامة هندسات أخرى ، مختلفة عن هندسة إقليدس في كثير من نظريّاتها ، بافتراض شكل آخر للمكان . ولكن هذا لا ينفي القول بأنّ بديهيات إقليدس ضرورية الصدق في المكان المسطّح ، بمعنى أنّ أيّ مكان إذا كان مسطّحاً صدقت عليه بديهيات إقليدس بالضرورة . وبهذا تتحوّل البديهيات الإقليدية إلى قضايا شرطية ، شرطها أن يكون المكان مسطّحاً ، وجزاؤها هي الأحكام التي تقرّرها البديهيات . وهذه القضايا الشرطية ليس فيها أيّ عنصر تجريبي ، وتتمتّع بالضرورة كقضايا الرياضة البحتة . وهي في نفس الوقت ليست تكرارية ؛ لأنّ الجزاء ليس متضمّناً في الشرط ، إذ ليس معنى كون المكان مسطّحاً أن يكون مجموع زوايا المثلّث 180 درجة ، أو أن يكون الخطّ المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين ، فهي إذن قضايا إخبارية ضرورية . وهكذا يتّضح أنّ المذهب التجريبي يتوجّب رفضه على أساس المقياس الذي وضعناه لتقييم المذهبين ؛ لأنّه عجز عن تفسير الحدّ الأدنى من التصديق المعترف به لقضايا المعرفة البشرية . وبذلك تثبت فرضية المذهب العقلي القائلة بوجود معارف عقلية قبلية . ونلاحظ إلى جانب ذلك تهافتاً منطقياً في إيمان التجريبيين بمذهبهم القائل : إنّ التجربة هي المصدر الأساس لكلّ المعارف البشرية ؛ لأنّ هذا القول نفسه قضية يعمّم فيها الحكم على كلّ معرفة ، فهل هذه القضية مستمدّة من مصدر قبلي بصورة مستقلّة عن التجربة ؟ أو أنّها مستمدّة من التجربة كأيّ قضية أخرى ؟ فإن افترض المذهب التجريبي أنّها مستمدّة من مصدر قبلي فقد اعترف