السيد محمد باقر الصدر
553
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
وعلى عكس ذلك القضايا الرياضية والمنطقية ، فإنّ الحقيقة الرياضية القائلة : « إنّ 2 + 2 / 4 » صادقة على أيّ عالم نتصوّره ، ولا يمكننا أن نتصوّر عالماً تنتج فيه عن مضاعفة الاثنين خمسة . ومعنى ذلك أنّ التعميم في القضية الرياضية يتخطّى حدود الكون المعاش ، ويشمل كلّ ما يمكن أن يفترض من أكوان . هذه فروق ثلاثة بين قضايا الرياضة والمنطق ، وقضايا العلوم الطبيعية جعلت المذهب التجريبي في مشكلة ؛ لأنّه مطالب بتفسيرها ، مع أنّه يعجز عن ذلك ما دام يؤمن بأنّ المصدر الأساس لكلّ تلك القضايا واحد ، وأ نّها مستمدّة جميعاً من التجربة بطريقة واحدة . وقد اضطرّ المذهب التجريبي لفترة من الزمن أن يتّخذ الموقف الثاني ، فيعلن المساواة بين قضايا الرياضة والمنطق ، وقضايا العلوم ، وينزل بقضايا الرياضة والمنطق عن درجة اليقين ، ويمنحها نفس الدرجة التي يعطيها لقضايا العلوم الطبيعية ، وهي درجة احتمالية مهما كبرت . وبهذا تصبح الحقيقة القائلة : « إنّ 1 + 1 / 2 » قضية احتمالية في رأي التجريبيين ، تحمل كلّ نقاط الضعف المنطقية التي تشتمل عليها الطريقة العلمية في الاستقراء ، أي طريقة التعميم وتجاوز حدود التجربة . وكان هذا الإعلان والقول من المذهب التجريبي من أكبر الأدلّة ضدّه ، ومن الشواهد التي تدينه ، وتثبت فشله في تفسير المعرفة البشرية . بينما لم يكن المذهب العقلي مضطرّاً إلى التورّط فيما وقع فيه المذهب التجريبي ؛ لأنّ المنطق العقلي - نظراً إلى إيمانه بوجود معارف قبلية سابقة على التجربة - أمكنه أن يفسّر الفرق بين قضايا الرياضة والمنطق ، وقضايا العلوم الطبيعية ، بأنّ قضايا الرياضة والمنطق مستمدّة من معارف سابقة على التجربة ، وقضايا الوجود في الطبيعة