السيد محمد باقر الصدر
54
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
الناقص والتجربة ، بأنّ المنطق الأرسطي يريد بالاستقراء الناقص الذي لا يصلح أساساً للعلم بالتعميم ، ملاحظة أشياء جاهزة ناجزة في الطبيعة ، من قبيل ما إذا لاحظنا عدداً كبيراً من الغربان فوجدناها سوداء ، ففي هذه الحالة ليس من حقّنا أن نبني على هذه الملاحظة العلم بأنّ كلّ غراب أسود . وأمّا التجربة التي تصلح أساساً للعلم فهي تعبّر عن عمليّة فيها شيء من التأثير والتأثّر « 1 » ، أو بتعبير آخر هي عمل إيجابي يقوم به الإنسان ، من قبيل أن يسلّط الحرارة على الحديد فيتمدّد في كثير من الحالات ، فنستنتج أنّ كلّ حديد يتمدّد بالحرارة . وبهذه التفرقة بين الاستقراء والتجربة التي حاولها بعض شرّاح المنطق الأرسطي نقترب بالتجربة نحو المفهوم العلمي الحديث لها ، ونقترب بالاستقراء الناقص نحو ما يسمّى بالملاحظة المنظّمة في لغة المنهج العلمي الحديث . ولكنّ هذا التفسير للموقف الأرسطي خاطئ ؛ لأنّ المنطق الأرسطي لم يرد بالتجربة التي اعتبرها أساساً للعلم بالتعميم - كما تقدّم - إلّانفس الاستقراء الناقص ، ولكن في حالة تكوين قياس منطقي يستمدّ صغراه من الاستقراء الناقص وكبراه من مبدأ عقلي قبلي ينفي تكرّر الصدفة ، فالتجربة لا تختلف عن الاستقراء الناقص في نوعيّة النشاط الذي يمارسه الإنسان ، وكونه نشاطاً إيجابياً فاعلًا أو مجرّد ملاحظة ، بل تختلف عنه في اشتمالها على مبدأ عقلي قبلي ينضمّ إلى الأمثلة المستقرأة ، فيتكوّن من المجموع قياس كامل . ولهذا يعتبر ابن سينا استقراء مواليد الزنوج الذي يدلّ على أنّ ابن الزنجي أسود تجربة ، بالرغم من أنّه لا يحتوي على أيّ تأثير وتأثّر أو عمل إيجابي من الإنسان المستقرئ « 2 » .
--> ( 1 ) يراجع شرح المنظومة للسبزواري 1 : 325 ( 2 ) البرهان لابن سينا : 47