السيد محمد باقر الصدر

531

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

الدرجة كلّما اخذ بعين الاعتبار ما يكشفه العلم من الجوانب الذاتية لعملية الإدراك الحسّي . ولكن يبدو أنّ هناك درجة من التشابه بين الصورة المحسوسة والواقع الموضوعي لا يمكن التنازل عن الاعتقاد بها ، ففيما نراه من أجسام بشكل دائري - مثلًا - لا نحتمل عادة أنّ الشكل الهندسي الواقعي لتلك الأجسام هو التربيع بدلًا عن الاستدارة ، رغم أنّا لا نملك أيّ مبرّر قبلي - أي قبل الحسّ والتجربة - للتأكيد على أنّ كلّ واقع موضوعي لا بدّ أن يثير صورة محسوسة لها نفس الخصائص الهندسية التي يتمتّع بها ذلك الواقع ، إذ لا يوجد أيّ تناقض منطقي في افتراض أنّ المربّع يثير في إدراكنا الحسّي صورة لها شكل دائري . فالاعتقاد باحتفاظ الصورة المحسوسة بالخصائص الهندسية للواقع الموضوعي المثير لها اعتقاد استقرائي ، وهذا يعني أنّ القضية القائلة : « إنّ ما نراه مستديراً ليس مربّعاً في الواقع الخارجي ، بل هو مستدير حقّاً أو قريب من الاستدارة » قضية استقرائية مستدلّة . ويمكننا أن نأخذ هذه القضية كمثال لتوضيح الأساس الاستقرائي ، وطريقة الاستدلال عليها استقرائياً : إنّ افتراض أنّ الواقع الموضوعي للصورة المحسوسة المستديرة مربّع يعني أحد أمرين : إمّا أنّا لا نرى جزءاً ممّا نواجهه ، وإمّا أنّا نرى شيئاً لا نواجهه . لأنّنا حينما نرى ورقة مستديرة ، ونفترض أنّها مربّعة في الواقع ، فإن كان هذا المربّع هو المربّع الذي يمكن أن يرسم في داخل الدائرة التي نراها ، فهذا يتضمّن أنّ الامتداد الذي تمثّله الصورة المحسوسة لنا أكبر من واقع الورقة . وإن كان هذا المربّع أكبر من المربّعات التي يمكن أن ترسم داخل الدائرة التي نراها - كما إذا كانت الورقة بحجم المربّع الذي يمكن أن ترسم تلك الدائرة داخله - فهذا يتضمّن أنّ جزءاً من امتداد المربّع لا نراه .