السيد محمد باقر الصدر

516

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

بالبرق ، ولكن هذا الاتصال المباشر وحده لا يكفي لكي يكشف لنا حقيقة هذا البرق الذي نتّصل به ، وهل هو حادثة ذاتية يرتبط وجودها بنفس إدراكي لها وإحساسي بها ، أو حادثة موضوعية يرتبط إحساسي بها وإدراكي لها بوجودها ؟ فوجود برق حين أرى برقاً معرفة أوّلية ، ولكن كون هذا البرق حادثة موضوعية لا ذاتية ليس معرفة أوّلية ، ولا يثبته الحسّ الظاهر بصورة مباشرة . ونحن في هذه الصيغة لتبرير الشكّ في الموضوعية افترضنا برقاً واحداً يؤكّده لنا الحسّ الظاهر ، ولكنّه لا يستطيع أن يؤكّد بصورة مباشرة ذاتيّته أو موضوعيّته . الثانية : نفترض أنّ من المؤكّد - على أساس التمييز بين الجانب الذاتي من المحسوس والجانب الموضوعي - أنّ الذي نتّصل به مباشرة في الحسّ الظاهر ليس حادثة موضوعية ، بل هو حادثة ذاتية وصورة ذهنية في إدراكنا الحسّي ؛ لأنّ للمحسوس جانبه الذاتي على أيّ حال ، سواء كان له جانب موضوعي أو لا . وإنّما نحتمل أن تكون هذه الحادثة الذاتية مرتبطة ارتباطاً سببياً بحادثة موضوعية ، فلسنا إذن على اتصال مباشر بالحادثة الموضوعية ، حتّى ولو كانت هذه الحادثة موجودة حقاً ، بل نحن على صلة مباشرة بالحادثة الذاتية . وكلتا هاتين الصيغتين تؤدّيان إلى نتيجة واحدة ، وهي : أنّ الموضوعية ليست معطىً مباشراً للحسّ ، فكيف نستطيع أن نثبت الواقع الموضوعي ؟ وعلى هذا الأساس رفضت المثالية الإيمان بالواقع الموضوعي ، وانطلقت من التمييز بين الصورة الذهنية والواقع الموضوعي إلى القول بأنّ معرفتنا الحسّية لا تبرّر الاعتقاد بالواقع الموضوعي ، ما دمنا لا نتّصل به مباشرة ، وإنّما نتّصل بالصور الذهنية والحوادث الذاتية .