السيد محمد باقر الصدر
49
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
( الصدفة ) لا يكون دائميّاً أو أكثريّاً ، بمعنى أنّ أيّ شيئين ليست بينهما رابطة سببيّة ، لا يتكرّر اقترانهما في جميع الأحيان ، ولا في أكثر الأحيان . وفي رأي المنطق الأرسطي : إنّ الدليل الاستقرائي بعد أن يحصل خلال الاستقراء الناقص على عدد كبير من الأمثلة ، ينطلق من ذلك المبدأ العقلي ، ويتّخذ الشكل القياسي في الاستدلال ، فيقرّر : أنّ ظاهرة ألف ، وظاهرة باء قد اقترنتا خلال الاستقراء في مرّات كثيرة « 1 » ، وكلّما اقترنت ظاهرتان بكثرة ، فإحداهما سبب للُاخرى ؛ لأنّ الاتفاق لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً . ويستنتج من ذلك أنّ ( أ ) سبب ل ( ب ) . وهذا استدلال قياسيّ بطبيعته ؛ لأنّه يسير من العامّ إلى الخاصّ ، وليس من نمط الاستدلال الاستقرائي ، الذي يسير من الخاصّ إلى العامّ . وإذا ثبت باستدلال قياسي يسير من العامّ إلى الخاصّ ، أنّ بين الحرارة وتمدّد الحديد رابطة سببيّة ، استطعنا أن نؤكّد أنّ الحديد يتمدّد كلّما تعرّض للحرارة ؛ لأنّ المسبّب يوجد كلّما وجد سببه . وهكذا نلاحظ أنّ الدور المباشر الذي يلعبه الاستقراء الناقص في رأي المنطق الأرسطي هو تقديم صغرى القياس ، إذ يستخلص من الاستقراء الناقص
--> ( 1 ) ولا يخفى أنّ المقصود بظاهرة ( ألف ) هو القدر الملحوظ من خصائص تلك الظاهرة ، والسببيّة المطلوب إثباتها هي السببيّة بين ظاهرة ( ألف ) بما فيها من الخصائص الظاهرة فحسب وبين ظاهرة ( باء ) لا مع ما قد يكون فيها من خصائص خفيّة ، وإلّا لم يمكن إثبات التعميم بهذه السببيّة ، إذ لو كانت هناك خصائص خفيّة دخيلة في السببيّة لم يمكن إثبات تحقّق المسبّب عند تحقّق تلك الظاهرة في غير الحالات التي امتدّ إليها الاستقراء ، لأنّنا لا نعلم حينئذٍ تواجدَ تلك الخصائص الخفيّة في غير تلك الحالات حتّى نستطيع تعميم الحكم بتحقّق المسبّب ( لجنة التحقيق )