السيد محمد باقر الصدر

480

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

وبصدد توضيح ذلك يجب أن نميّز - بصورة أساسية - بين تصوّرين للعلاقة بين القضية التجريبية - كالقضية القائلة : « كلّ حديد يتمدّد بالحرارة » - والقضايا الجزئية المحسوسة التي تكوّن منها الاستقراء - كالقضايا القائلة : « هذا الحديد تمدّد بالحرارة » و « هذا الحديد تمدّد بالحرارة » و « ذلك الحديد تمدّد بالحرارة » - : التصوّر الأوّل : أنّ كلّ قضية من القضايا الجزئية المحسوسة المكوّنة للاستقراء تثبت جزءاً من مدلول القضية التجريبية ؛ لأنّها تتناول حالة واحدة من الحالات الكثيرة التي تستوعبها القضية التجريبية . ولمّا كانت القضية التجريبية تشتمل على أجزاء أخرى - علاوة على الأجزاء التي تثبتها تلك القضايا الجزئية - فلا يمكن أن تعتبر القضية التجريبية مستنتجة من تلك القضايا الجزئية ؛ لأنّ جزءاً من مدلولها لا يمكن استنتاجه منها . وهذا التصوّر هو الذي ينسجم مع الموقف البدائي للمنطق الأرسطي من القضية التجريبية ، إذ يعتبرها قضية أوّلية . التصوّر الثاني - وهو الأصوب - أنّ كلّ قضية من القضايا الجزئية المكوّنة للاستقراء تثبت كامل مدلول القضية التجريبية ، لا جزءاً منه فحسب ، ولكن إثباتها لكامل مدلول القضية التجريبية إثبات ناقص . فهناك إذن - على أساس هذا التصوّر - أدلّة على كامل مدلول القضية التجريبية بعدد القضايا الجزئية التي يشتمل عليها الاستقراء ، غير أنّها أدلّة احتمالية . وبهذا تكون القضية التجريبية بكامل مدلولها قضية مستنتجة ومستدلّة كأيّ قضية نظرية ثانوية ، والأدلّة بعدد تلك القضايا المحسوسة التي كوّنت الاستقراء . وقوّة الإثبات لكلّ واحدة من تلك القضايا تتوقّف على افتراض مصادرات المرحلة الأولى - المرحلة الاستنباطية - من الدليل الاستقرائي ، ودرجة الإثبات تتحدّد وفقاً لماتفرضه نظرية الاحتمال