السيد محمد باقر الصدر

456

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

وأمّا التماثل المصطنع فأقصد به : التماثل الذي لا يفرض وجود سبب مشترك . فإذا افترضنا - مثلًا - أنّنا كنّا نلقي قطعة النقد ، وكان هناك شخص يتنبّأ اعتباطاً في كلّ مرّة بالوجه الذي سيظهر ، فقال عن الرمية الأولى : إنّ الكتابة سوف تظهر ، وقال عن الرمية الثانية : إنّ الصورة سوف تظهر ، ونفس الشيء قاله عن الثالثة والرابعة . . . وهكذا إلى العاشرة . ففي هذه الحالة يوجد تماثل بين ظهور وجه الكتابة في المرّة الأولى ، وظهور وجه الصورة في المرّة الثانية ، وظهور وجه الكتابة في المرّة الثالثة ، وظهور وجه الصورة في المرّة الرابعة . . . وهكذا ؛ لأنّ هذه الفروض كلّها متماثلة في كونها محقّقة لنبوءة ذلك الشخص ، إلّاأنّ هذا تماثل مصطنع ، فهو لا يفرض أن يكون السبب الذي أدّى إلى ظهور وجه الكتابة في المرّة الأولى هو بنفسه يؤدّي إلى ظهور وجه الصورة في المرّة الثانية . وعلى هذا الأساس لا يكون احتمال صدق نبوءة ذلك الشخص صدفةً في جميع المرّات ، أضعف من أيّ احتمالٍ آخر من احتمالات كذبه . فكما أنّنا لو لم نواجه نبوءة من هذا القبيل للاحظنا أنّ احتمال ظهور وجه الكتابة في الأولى والثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة ، وظهور وجه الصورة في الباقي ، يساوي احتمال ظهور وجه الكتابة في المرّات الخمس الأولى وظهور وجه الصورة في الباقي ، كذلك نلاحظ فعلًا بعد النبوءة : تساوي الاحتمالين ، دون أن تكون النبوءة نفسها - بسبب ما تخلق من تماثل مصطنع - سبباً لهبوط قيمة الاحتمال الأوّل عن قيمة الاحتمال الثاني . وسبب الفرق بين التماثل الحقيقي والتماثل المصطنع : أنّ افتراض تكرّر الصدفة بصورة متماثلة تماثلًا مصطنعاً لا يعني : افتراض أن يكون السبب في كلّ مرّة هو ذلك الجزء المشترك من الظروف والملابسات ، بل قد يكون السبب ثابتاً في نطاق التباينات المعلومة بين الحالات المتتالية ؛ لأنّ التماثل المصطنع