السيد محمد باقر الصدر

451

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

- مثلًا - أن يظهر وجه الكتابة في ألف رمية متتابعة لقطعة النقد . وهذا جعله يتصوّر : أنّ هناك مبدأً عقلياً قبلياً يحكم بأنّ تكرّر الصدفة بصورة متماثلة في عدد كبير من المرّات المتتابعة أمر مستحيل . والمنطق الأرسطي وإن أصاب في رفضه لافتراض ظهور وجه الكتابة - مثلًا - في ألف رمية متتابعة ، ولكنّه أخطأ في تفسير هذا الرفض ، فإنّ استبعاد هذا الافتراض لا يقوم على أساس مبدأ عقلي قبلي ، كما برهنّا عليه في القسم الأوّل من بحوث هذا الكتاب ، وإنّما يقوم على أساس أنّ حالة ظهور الكتابة في كلّ المرّات - وبتعبير أعمّ : حالة تكرّر الصدفة بنحوٍ واحد - تواجه عاملًا خاصّاً يضعّف بحساب الاحتمالات قيمتها الاحتمالية إلى أبعد حدّ . ويمكن توضيح هذا العامل بالبيان التالي : إنّ الحالات المتتابعة التي وقعت في كلّ واحدة منها تجربة - رمية قطعة النقود مثلًا - إذا قارنّا بينها واستطعنا أن نستوعب كلّ ظروفها وملابساتها ، فسوف نجد : أنّها تختلف في عددٍ كبيرٍ من الملابسات والظروف ، بينما قد لا تشترك إلّا في جزءٍ ضئيلٍ جدّاً من تلك الملابسات والظروف : فوضع الهواء ونوع تحرّكه ، ووضع الكفّ التي تقذف قطعة النقد ، ووضع القطعة النقديّة في الكفّ وهي تقذف ، وأوضاع سائر الأشياء التي قد تتدخّل في تغيير اتجاه قطعة النقد ، إنّ كلّ هذه الأوضاع تختلف من حالة إلى حالة ، ولا يظلّ شيء منها ثابتاً ومشتركاً بين الحالتين إلّاأحياناً وبقدرٍ يسير . وعلى هذا الأساس نعرف أنّ افتراض تكرّر نفس الصدفة بظهور وجه الكتابة مرّاتٍ عديدة يعني : افتراض أنّ نفس ذلك الجزء الثابت من مجموع الملابسات والظروف في جميع الحالات هو السبب الذي يتحكّم في تعيين الوجه الذي سوف يبدو للعملة النقدية ، دون الجوانب المتحرّكة وغير الثابتة ، إذ لو كان