السيد محمد باقر الصدر
403
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
يكمن في أنّ الدليل الاستقرائي قد استخدم هنا بصورة منحرفة لإثبات أنّ ما عدا ( أ ) لا يترتّب عليه ( ب ) ، بدلًا عن إثبات أنّ الألفات الأخرى التي لم يشملها الاستقراء يترتّب عليها الباء . وفي المثال الآخر قيل : « لا إنسان حيّ الآن قد مات » ، وجعل هذا الاستقراء دليلًا على أنّ كلّ الناس الأحياء الآن خالدون . ونحن إذا افترضنا أنّ الخلود تعبير عن تجاوز أبعد حدود العمر الطبيعي الذي يبلغه الإنسان عادة ، وكانت لدينا مبرّرات للشكّ في قدرة الإنسان على تجاوز تلك الحدود ، واحتمال وجود عوامل قاهرة تؤدّي إلى موته حتماً قبل تجاوزها ، فكيف نستطيع أن نستدلّ استقرائياً على خلود الناس المعاصرين ، أي قدرتهم على تجاوز تلك الحدود ، عن طريق أنّهم لا يزالون أحياء بعد ، رغم أنّ أيّ واحد منهم لم يتجاوز تلك الحدود ؟ وهكذا نصل إلى النتيجة التالية وهي : أنّ الاستقراء الذي يفشل أحياناً ليس هو نفسه الاستقراء الذي ينجح في أكثر الأحيان ، فلا يمكن أن يستخدم ذلك كدليل على أنّ الاستقراء ليس مبدأ منطقياً . بل إنّ الدليل الاستقرائي إذا استكمل متطلّباته اللازمة لممارسة مرحلته الاستنباطية ، فهو ناجح في تنمية احتمال التعميم وإعطائه أكبر قيمة احتمالية ممكنة . وهذا يعني : أنّ الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية تبرهن على قيمة احتمالية كبيرة ، وهو في حدود برهنته على هذه القيمة ، وضمن شروطه ومصادراته اللازمة له ، مبدأ منطقي . ولا يعني هذا أنّ النتيجة التي يبرهن الاستقراء على قيمة احتمالية كبيرة لها يجب أن تكون صادقة دائماً من الناحية المنطقية ، وإنّما يعني : أنّ القيمة الاحتمالية الكبيرة التي يعطيها الدليل الاستقرائي للنتيجة قيمة منطقية .