السيد محمد باقر الصدر
386
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
كلّ مجموعة من تلك المجاميع بنسبة واحد إلى خمسة ، فخرجنا من ذلك بتعميم لهذه النسبة على كلّ مجموعة أخرى تشتمل على مائة حالة من حالات وجود ( أ ) ، وعبّرنا عن ذلك في قانون إحصائي يقول : إنّ ( أ ) يعقبها ( ب ) عشرين مرّة في كلّ مائة مرّة . فنحن - إذن - قمنا بتعميم استقرائي للنسبة الإحصائية إلى سائر المجاميع الأخرى التي لم يشملها إحصاؤنا المباشر ، وهذا التعميم الاستقرائي بنفسه يحتاج إلى افتراض مبدأ السببيّة بمفهومها العقلي - ولو على مستوى الاحتمال - ، إذ لو استبعدنا نهائياً فكرة السببيّة العقلية وآمنّا بالصدفة المطلقة ، فهذا يعني : أنّ ظهور ( ب ) عشرين مرّة في كلّ مجموعة من المجاميع التي شملها إحصاؤنا ، كان صدفة وبدون أيّ سبب يحتّم ذلك ، وفي هذه الحالة لا يمكن أن نعمّم نسبة ظهوره إلى سائر المجاميع الأخرى . ويفقد الدليل الاستقرائي قدرته على تنمية احتمال هذا التعميم ؛ لأنّ الصدفة ليس من الضروري أن تتكرّر ، كما أوضحنا في تفسيرنا المتقدّم للمرحلة الاستنباطية من الاستقراء . وهكذا نعرف أنّ القوانين الإحصائية التي تستخدمها العلوم ، بدلًا عن التعميمات السببيّة ، ليست - من وجهة نظر تحليلية للدليل الاستقرائي - بديلًا لمبدأ السببيّة بمفهومه العقلي ، بل إنّ أيّ قانون إحصائي هو نتيجة استقراء وتعميم استقرائي لنسبة التكرّر ، وهذا التعميم بدوره يتوقّف على افتراض مبدأ السببيّة العقلية ولو على مستوى الاحتمال ؛ لأنّ كلّ تعميم استقرائي لا يمكن أن يستغني عن هذه المصادرة ، كما تبيّن في الطريقة التي فسّرنا بها المرحلة الاستنباطية من الدليل الاستقرائي .