السيد محمد باقر الصدر
382
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
والفرق بين التجريبيين غير الوضعيين والمناطقة الوضعيين ، يتمثّل في موقفهما من القضية التي لا توجد كيفية معيّنة لاستخدام التجربة والخبرة الحسّية من أجل إثبات صدقها : فهي تعتبر في رأي المناطقة الوضعيين فارغة من المعنى ، وأمّا التجريبيون غير الوضعيين فيعترفون بأ نّها قضية ذات معنى من الناحية المنطقية ، لأنّهم لا يربطون معنى القضية بكيفية إثبات صدقها ، ولكنّهم يربطون درجة التصديق بها بمدى قدرة التجربة على إثباتها ، فكلّ قضية لا يمكن للتجربة أن تبرهن عليها لا يمكن قبولها ؛ لأنّ التجربة والخبرة الحسيّة هي المصدر الأساس للمعرفة في رأي المذهب التجريبي . وعلاقة السببيّة - بمفهومها العقلي ، بوصفها علاقة ضرورة بين ( أ ) و ( ب ) - من القضايا التي لا تمتدّ الخبرة الحسّية إليها ؛ لأنّ الخبرة الحسّية بإمكانها أن تدرك ( أ ) و ( ب ) واقتران أحدهما بالآخر ، وأمّا علاقة الضرورة بينهما فليس بإمكان الخبرة الحسّية أن تدركها . وعلى هذا الأساس رفض ( دافيد هيوم ) علاقة السببيّة بوصفها علاقة ضرورة ، وفسَّرها : بأ نّها مجرّد اقتران أو تعاقب مطّرد بين الظاهرتين ، تجاوباً مع اتجاهه التجريبي في نظرية المعرفة . وكان ذلك بداية تحوّل السببيّة ، في الفكر الفلسفي الحديث ، من علاقة ضرورة بين ظاهرتين إلى قوانين سببيّة تصف اطراداً معيّناً للاقتران أو التعاقب بين ظاهرتين ، دون أن تضيف إلى ذلك أيّ افتراض عقلي للضرورة . والحقيقة أنّه ليس بالإمكان رفض علاقة الضرورة بين السبب والمسبّب على أساس المذهب التجريبي في نظرية المعرفة ؛ لأنّ الاتجاه التجريبي في تفسير المعرفة البشرية لا يبرهن على نفي علاقة الضرورة هذه ولا يكفي لتبرير الاعتقاد بعدمها ، وإنّما يربط المعرفة بالخبرة والتجربة ، فما لم تتوفّر التجربة على إثبات