السيد محمد باقر الصدر

119

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

نستطيع أن نعرف أنّ ما لاحظناه حتّى الآن من اقتران بين الاقتحام والاحتراق سوف يتكرّر في المستقبل بنفس الطريقة التي لاحظناها في الماضي ؟ إنّنا بحاجة إلى ما يبرّر لنا المبدأ القائل بأنّ المستقبل يشبه الماضي ، إذ بدون هذا المبدأ لا يمكن لأيّ تجربة أن تعطينا استدلالًا على المستقبل ، فما هو المبرّر لهذاالمبدأ ؟ هكذا يضع ( دافيد هيوم ) المشكلة ، ثمّ يجيب عليها : بأنّ المبرّر لهذا المبدأ ليس منطقيّاً وإنّما هو مبرّر سيكولوجي يمكن اكتشافه بتحليل موسّع لنفس علاقة العلّة والمعلول التي كانت تشكّل الأساس لاستدلالاتنا الخاصّة بأمور الواقع . وفيما يلي توضيح ذلك : إنّ ( هيوم ) يصنّف الإدراكات إلى طائفتين : الانطباعات والأفكار . ونتوصّل إلى التمييز بينهما بمعرفة مقدار القوّة والحيويّة الذي يصحب كلًا منهما في الذهن ، فالإدراكات التي تنطوي على مزيد من القوّة والحيويّة هي التي يدعوها هيوم انطباعات ، وتندرج في هذه الطائفة جميع إحساساتنا وعواطفنا وانفعالاتنا . وأمّا الأفكار ، فهي الصور الواهنة لهذه الانطباعات التي نجدها في إدراكنا حال غيبة الموضوع عنّا ، فنحن حين نواجه البحر نحصل على إدراك للبحر على درجة كبيرة من القوّة والحيويّة ، وهذا هو الانطباع . فإذا غبنا عنه وتصوّرناه كان إدراكنا للبحر صورة لذلك الانطباع لا تتمتّع بما كان الانطباع يتّسم به من قوّة ووضوح ، وهذا هو الفكر . وبعد أن يميّز ( هيوم ) بين الانطباعات والأفكار ، يؤكّد الرأي القائل : بأنّ الانطباعات لها السبق دائماً على الأفكار ، فكلّ فكرة بسيطة أو مركّبة مردّها إلى تلك الانطباعات .