السيد محمد باقر الصدر

113

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

بذلك تحويل الاستقراء إلى استنباط وسير من العامّ إلى الخاصّ ، بل هو نمط آخر من الاستدلال لا يدخل في نطاق الاستنباط ، وهذا الاستدلال يسير من الخاصّ إلى العامّ دون الاستعانة بأيّ مبادئ عقليّة قبليّة . ونحن حين نتناول هذه القضيّة بالبحث في القسم المقبل من هذا الكتاب ، سوف لن نستطيع أن نقدّم برهاناً على أنّ الإنسان السوي يعلم بعدد كبير من التعميمات على أساس الاستقراء ، فنحن لا نملك حقّاً برهاناً يقنع الشخص بوجود هذا العلم إذا أنكره ، وماذا عسانا نقول لمن ينكر علمه بأ نّه إذا أكل فسوف يشبع ، وإذا قطع رقبة ابنه فسوف يموت ، وإذا وضع كوباً من ماء على الموقد المشتعل فلن يحدث فيه الانجماد ! ؟ إنّ موقفنا من هذا الإنكار يشبه الموقف الذي يتّخذه أيّ إنسان تجاه الفيلسوف المثالي الذي ينكر وجود العالم وأيّ واقع موضوعي خارج نطاق تصوّراتنا ، ويزعم أنّه لا يعلم بشيء خارج نطاق هذه التصوّرات ! فكما لا يمكننا أن نبرهن للفيلسوف المثالي على أنّه يعلم بأنّ لزوجته وأولاده وداره واقعاً موضوعيّاً - وإن كنّا متأكّدين من أنّه يعلم بذلك على أساس طبيعة تعامله مع هذه الأشياء - كذلك لا يمكننا أن نبرهن ضدّ شخص ينكر العلم بأ نّه إذا أكل فسوف يشبع ، وإذا ذبح ابنه فسوف يموت ، ويرى أنّ الاستقراء المديد في تأريخ البشريّة لا يكفي للعلم بذلك إذا لم يكن الإنسان مسرفاً في اعتقاده ! وما سوف نعني به في البحث المقبل ، هو التمييز بين ثلاثة أنواع ، وهي : اليقين المنطقي ، واليقين الموضوعي ، واليقين الذاتي . وننتهي من دراسة هذه الأنواع الثلاثة إلى أنّ اليقين المنطقي يختصّ بالاستدلال الاستنباطي ولا يشمل الاستدلالات الاستقرائيّة ، وأنّ اليقين الذاتي مسألة شخصيّة وليس له مقياس موضوعي ، وأنّ اليقين الموضوعي هو اليقين الذي يمكن للاستدلال الاستقرائي