السيد محمد باقر الصدر
88
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
وثانياً - إنّ السير الفكري في رأي العقليين يتدرّج من القضايا العامّة إلى قضايا أخصّ منها ، من الكلّيات إلى الجزئيات ، وحتّى في المجال التجريبي الذي يبدو لأوّل وهلة أنّ الذهن ينتقل فيه من موضوعات تجريبية جزئية إلى قواعد وقوانين عامّة ، يكون الانتقال والسير فيه من العامّ إلى الخاصّ « 1 » ، كما سنوضّح ذلك عند الردّ على المذهب التجريبي . ولا بدّ أنّك تتذكّر ما ذكرنا مثالًا لعملية التفكير ، وكيف انتقلنا فيه من معرفة عامة إلى معرفة خاصّة ، واكتسبنا العلم بأنّ ( المادّة حادثة ) من العلم بأنّ ( كلّ متغيّر حادث ) ، فقد بدأ الفكر بهذه القضية الكلّية ( كلّ متغيّر حادث ) وانطلق منها إلى قضية أخصّ منها ، وهي : ( أنّ المادّة حادثة ) . وأخيراً يجب أن ننبّه على أنّ المذهب العقلي لا يتجاهل دور التجربة الجبّار في العلوم والمعارف البشرية ، وما قدّمته من خدمات ضخمة للإنسانية ، وما كشفت عنه من أسرار الكون وغوامض الطبيعة ، ولكنّه يعتقد أنّ التجربة بمفردها لم تكن تستطيع أن تقوم بهذا الدور الجبّار ؛ لأنّها تحتاج في استنتاج أيّة حقيقة علمية منها إلى تطبيق القوانين العقلية الضرورية ، أي : أن يتمّ ذلك الاستنتاج على ضوء المعارف الأوّلية ، ولا يمكن أن تكون التجربة بذاتها المصدر الأساسي والمقياس الأوّل للمعرفة ، فشأنها شأن الفحص الذي يجريه الطبيب على
--> ( 1 ) هذا من جملة ما اختلف فيه رأي المؤلّف قدس سره بعد تأليفه لهذا الكتاب ، حيث انتهى رحمه الله - في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة الذي طرحه في كتابه « الأسس المنطقيّة للاستقراء » - إلى أنّ المجالات الفكريّة التي ينتقل فيها الذهن من استقراء الموضوعات الجزئيّة إلى قواعد وقوانين عامّة يكون السير الفكري فيها - حقّاً - من الخاصّ إلى العامّ ، ولا حاجة فيها إلى ضمّ كبرى كليّة عقليّة مسبقة ليتحوّل السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ كما يدّعيه أصحاب المذهب العقلي للمعرفة . ( لجنة التحقيق )