السيد محمد باقر الصدر

83

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

التصديق ومصدره الأساسي ننتقل الآن من درس الإدراك الساذج - التصوّر - إلى درس الإدراك التصديقي الذي ينطوي على الحكم ، ويحصل به الإنسان على معرفة موضوعية . فكلّ واحد منّا يدرك عدّة من القضايا ، ويصدّق بها تصديقاً ، ومن تلك القضايا ما يرتكز الحكم فيها على حقائق موضوعية جزئية ، كما في قولنا : الجوّ حارّ ، الشمس طالعة . وتُسمَّى القضية لأجل ذلك جزئية . ومن القضايا ما يقوم الحكم فيها بين معنيين عامّين كما في قولنا الكلّ أعظم من الجزء ، والواحد نصف الاثنين ، والجزء الذي لا يتجزّأ مستحيل ، والحرارة تولّد الغليان ، والبرودة سبب للتجمّد ، ومحيط الدائرة أكبر من قطرها ، والكتلة حقيقة نسبية ، إلى غير ذلك من القضايا الفلسفية والطبيعية والرياضية . وتُسمَّى هذه القضايا بالقضايا الكلّية والعامّة . والمشكلة التي تواجهنا هي مشكلة أصل المعرفة التصديقية والركائز الأساسية التي يقوم عليها صرح العلم الإنساني ، فما هي الخيوط الأوّلية التي نسجت منها تلك المجموعة الكبيرة من الأحكام والعلوم ؟ وما هو المبدأ الذي تنتهي إليه المعارف البشرية في التعليل ، ويعتبر مقياساً أوّلياً عامّاً لتمييز الحقيقة