السيد محمد باقر الصدر

54

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

حياته ، فجعله يؤمن بأنّ حياته منبثقة عن مبدأ مطلق الكمال ، وأ نّها إعداد للإنسان إلى عالم لا عناء فيه ولا شقاء ، ونصب له مقياساً خُلُقياً جديداً في كلّ خطواته وأدواره ، وهو : رضا اللَّه تعالى . فليس كلّ ما تفرضه المصلحة الشخصية فهو جائز ، وكلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصية فهو محرّم وغير مستساغ ، بل الهدف الذي رسمه الإسلام للإنسان في حياته هو : الرضا الإلهي . والمقياس الخُلُقي الذي توزن به جميع الأعمال إنّما هو : مقدار ما يحصل بها من هذا الهدف المقدّس . والإنسان المستقيم هو : الإنسان الذي يحقّق هذا الهدف . والشخصية الإسلامية الكاملة هي : الشخصية التي سارت في شتّى أشواطها على هدي هذا الهدف ، وضوء هذا المقياس ، وضمن إطاره العامّ . وليس هذا التحويل في مفاهيم الإنسان الخُلُقية وموازينه وأغراضه يعني تغيير الطبيعة الإنسانية وإنشاءها إنشاءً جديداً ، كما كانت تعني الفكرة الشيوعية . فحبّ الذات - أي : حبّ الإنسان لذاته وتحقيق مشتهياتها الخاصّة - طبيعي في الإنسان ، ولا نعرف استقراء في ميدان تجريبي أوضح من استقراء الإنسانية في تأريخها الطويل الذي يبرهن على ذاتية حبّ الذات ، بل لو لم يكن حبّ الذات طبيعياً وذاتياً للإنسان لما اندفع الإنسان الأوّل - قبل كلّ تكوينة اجتماعية - إلى تحقيق حاجاته ، ودفع الأخطار عن ذاته ، والسعي وراء مشتهياته بالأساليب البدائية التي حفظ بها حياته وأبقى وجوده ، وبالتالي خوض الحياة الاجتماعية والاندماج في علاقات مع الآخرين ؛ تحقيقاً لتلك الحاجات ودفعاً لتلك الأخطار . ولما كان حبّ الذات يحتلّ هذا الموضع من طبيعة الإنسان ، فأيّ علاج حاسم للمشكلة الإنسانية الكبرى يجب أن يقوم على أساس الإيمان بهذه الحقيقة . وإذا قام على فكرة تطويرها أو التغلّب عليها ، فهو علاج مثالي لا ميدان له في واقع الحياة العملية التي يعيشها الإنسان .